مقالات

1958… 1976… 1984… 1990… 2009… 2026…

ألم يحن الوقت ليتعلّم اللبنانيون عامة، أن الرهان على الخارج لم يكن يومًا ضمانة، وأن الثقة العمياء بأي دولة عظمى، مهما كانت، غالبًا ما تنتهي بخيبة؟

كتب العميد الركن م/ د جوزف س.عبيد

من يقرأ تاريخ لبنان الحديث يلاحظ أن الولايات المتحدة، كما سائر الدول الكبرى، لم تتعامل مع لبنان بمنطق الصداقة أو الوفاء، بل بمنطق المصالح. وهذه ليست تهمة، بل هي طبيعة العلاقات الدولية؛ فالدول لا تحكمها العواطف، وإنما الحسابات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.
في عام 1958، حضرت واشنطن عندما اقتضت مصالحها ذلك، ثم غادرت عندما انتهت مهمتها. وفي عام 1976، تغيّرت المواقف مع تغيّر موازين القوى. وفي عام 1984، انسحبت القوات الأميركية عندما أصبحت كلفة البقاء أعلى من مكاسبه. وفي عام 1990، رُسمت ملامح مرحلة جديدة وفق تفاهمات دولية وإقليمية لم يكن اللبنانيون أصحاب القرار الأول فيها. وفي عام 2009، بقيت الوعود أكبر من النتائج، فيما استمرت الأزمات تتراكم. وها نحن في عام 2026، ولا يزال بعض اللبنانيين يعلّقون آمالهم على الخارج، وكأن التاريخ لم يقل كلمته بعد.

من حق الولايات المتحدة أن تبحث عن مصالحها، كما من حق أي دولة أن تفعل. لكن الخطأ هو أن نتصور أن مصالحها تتطابق تلقائيًا مع مصالح لبنان. فالأولوية الأميركية في المنطقة، وفق ما يراه كثير من المحللين، ترتبط بأمن إسرائيل، وبالاستقرار الذي يخدم هذا الهدف، إلى جانب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، ومنها ملفات الطاقة في شرق المتوسط. أما لبنان، فلا يحضر في الحسابات الدولية إلا بقدر ارتباطه بهذه الملفات.

المشكلة ليست في أميركا، بل في اللبناني الذي يكرر الخطأ نفسه في كل مرحلة، معتقدًا أن سفارة أجنبية قادرة على أن تمنحه ما عجز عن بنائه في وطنه. وكم من فريق سياسي اعتقد أن الدعم الخارجي سيضمن انتصاره، ثم اكتشف أن المصالح تبدلت، وأن الحلفاء غادروا عندما تغيّرت الأولويات.

لقد أثبت التاريخ أن الدول العظمى لا تعرف الصداقات الدائمة، بل المصالح الدائمة. ومن يربط مصيره بقرار يأتي من وراء البحار، سيبقى أسير تقلبات تلك المصالح، يدفع الثمن كلما تغيّر اتجاه الرياح.

الرهان الحقيقي ليس على واشنطن، ولا على أي عاصمة أخرى، بل على دولة لبنانية قوية، وجيش يحميها، ومؤسسات تحكمها، ووحدة وطنية تجعل قرارها ينبع من بيروت لا من أي مكان آخر.

فالأوطان لا تُبنى بالانتظار، ولا تُحمى بالرهانات الخارجية، بل بإرادة أبنائها. ومن لا يتعلّم من تاريخ 1958 و1976 و1984 و1990 و2009 و2026، سيجد نفسه يضيف تواريخ جديدة إلى لائحة الخيبات نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى