مقالات

الإنتقال من الحضن الأوروبي الى الحضن الأميركي

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

لم تسقط الشوارع بسبب ستة سنتات.
الدول لا تهتز من ضريبة على تطبيق، بل من تراكم اختناق طويل يجد لحظة انفجار مناسبة. لكن السؤال الذي لا يزال يطرحه كثيرون هو: من استثمر تلك اللحظة؟ ومن كان جاهزًا لركوب الموجة منذ الدقيقة الأولى؟
ففي السياسة، كثيرًا ما تكون الشرارة صغيرة، لكن الحريق يكون مُعدًّا له بالحطب والهواء واتجاه الريح.
ضريبة “الواتساب” لم تكن بالنسبة لكثيرين سوى المشهد الأول في مسرح أكبر، حيث اختلط الغضب الحقيقي للناس مع مشاريع القوى الداخلية والخارجية، فتحوّل الشارع من مساحة احتجاج اجتماعي إلى ساحة صراع على هوية لبنان وتموضعه.
ومن هنا يأتي توصيف “الانتقال من الحضن الأوروبي إلى الحضن الأميركي”.
فالبعض رأى أن المرحلة التي سبقت 17 تشرين كانت تقوم على توازنات مختلفة، وأن ما تلاها فتح الباب أمام إعادة تشكيل النفوذ المالي والسياسي والاقتصادي في لبنان، عبر:
تغيير مراكز الدعم الخارجي،
إعادة رسم علاقة لبنان بالمصارف والمؤسسات الدولية،
ومحاولة إنتاج طبقة سياسية وإعلامية جديدة بخطاب مختلف.
أما السؤال الأقسى الذي تطرحه التجربة فهو:
إذا كانت الثورة اقتصادية بحتة، فأين الشارع اليوم أمام الانهيار الأكبر؟
فاليوم:
الضرائب ارتفعت أضعافًا،
العملة انهارت،
الأسعار خرجت عن السيطرة،
والقدرة الشرائية تآكلت بشكل غير مسبوق.
ومع ذلك، لا يوجد زخم شعبي بحجم ما حدث عام 2019.
وهنا يستنتج البعض أن: الغضب وحده لا يصنع ثورة، بل يحتاج إلى قرار سياسي، وغطاء إعلامي، وتمويل، وتنظيم، ولحظة دولية مناسبة.
لكن في المقابل، هناك من يجيب على هذا الطرح بأن الناس في 2019 كانت لا تزال تملك القدرة على النزول إلى الشارع، أما اليوم فهي منهكة اقتصاديًا ونفسيًا، وأن الانهيار الشامل حوّل المواطن من “ثائر” إلى “باحث عن البقاء”.
وبين الروايتين تبقى حقيقة واحدة واضحة:
17 تشرين لم تكن حدثًا عابرًا، بل لحظة كسرت التوازن القديم في لبنان، وما زالت ارتداداتها السياسية والاقتصادية مستمرة حتى الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى