مقالات

ماذا نريد؟

كتب العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

في كل الحروب، لا يكون المشهد بسيطًا كما يبدو من الخارج. فهناك دائمًا من يشارك عن قناعة كاملة بما يراه “قضية”، وهناك من يقف خلف هذا المشهد في حالة انقسام داخلي معقد، لا يمكن اختزاله بشعارات جاهزة أو اصطفافات حادة.

في الواقع، يمكن تمييز أكثر من فئة داخل أي مجتمع منخرط في صراع: فئة تؤيد وتدعم وتبرّر، وأخرى تعارض وتخشى وتنتقد، وفئة ثالثة ترفض الحرب أصلًا، لكنها لا تجد نفسها بالضرورة في أي من المعسكرين. هذه الفئة الأخيرة تحديدًا هي الأكثر تعرّضًا للضغط، إذ يُطلب منها غالبًا أن تختار: إما مع أو ضد، وإما في خانة “الالتزام الكامل” أو في خانة “العداء”.

وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية:

حين يتحوّل الاختلاف في الرأي إلى اتهام بالاصطفاف، وحين يصبح رفض الحرب بحد ذاته موضع شك، أو يُفسَّر وفق هوية الطرف الذي يخوضها، لا وفق المبدأ نفسه.

في مجتمعات منقسمة، لا يعود السؤال فقط: من يؤيد ومن يعارض، بل يصبح السؤال الأخطر: ماذا نفعل بالاختلاف بعد انتهاء الحرب؟

لأن الحرب، مهما طال أمدها، تنتهي في لحظة ما، بينما يبقى المجتمع بعدها مضطرًا إلى العيش مع نفسه، مع جيرانه، ومع ذاكرته. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف يمكن إعادة بناء الثقة داخل مجتمع تم دفعه إلى حافة الانقسام الحاد؟

إن اختزال المواقف إلى خانات ثابتة خيانة أو ولاء، عدو أو صديق قد يخدم لحظة الصراع، لكنه يدمّر إمكانية ما بعده. فالمجتمع لا يُبنى على منطق الإلغاء، بل على القدرة على استيعاب التعدد حتى في أكثر اللحظات توترًا.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال نفسه بإلحاح:

كيف يمكن لأي طرف أن يطالب بالعيش المشترك بعد الحرب، إذا كان جزء من هذا المجتمع يُعامل اليوم كأنه خارج المعادلة؟

الأمر لا يتعلق بتبرير أي موقف، بل بفهم أن استمرار الحياة المشتركة يتطلب أكثر من الانتصار أو الهزيمة. يتطلب اعترافًا بأن الناس ليسوا نسخة واحدة من الرأي، وأن الخلاف الحاد منه لا يجب أن يتحول إلى حكم دائم على الآخر.
في النهاية، ليست المسألة “من كان محقًا”، بل كيف يمكن أن يستمر وطن واحد في العيش مع تناقضاته، دون أن يتحول كل اختلاف إلى جرح مفتوح لا يلتئم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى