مقالات

اتفاق الإطار: المغفّلون في شباك القتلة!

بقلم// د. عدنان منصور*

إعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أنّ اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان مع “إسرائيل”، برعاية الوسيط الأميركي، يهدف إلى تحقيق الانسحاب “الإسرائيلي” من كامل الأراضي اللبنانية. مزاعم سلام و”شفافية” كلامه ردّ عليها نتنياهو بقوله: “إننا لن نسمح بعودة السكان اللبنانيين إلى منطقة الحزام الأمني الواقعة تحت سيطرتنا”! معتبراً أنّ اتفاق الإطار “إنجاز تاريخي لـ”إسرائيل””، ولم يقل للبنان أيضاً، لأنه يعلم علم اليقين، أنّ الاتفاق بمثابة استسلام الدولة اللبنانية لإرادة وشروط “إسرائيل”، بعد أن ذهبت الحكومة اللبنانية بوفدها إلى المفاوضات المباشرة، رافضة أيّ دعم من إيران لتعزيز موقفها، بل عمدت من كيدها، على الذهاب إلى المفاوضات مجرّدة من أيّ قوة ليصطادها الثنائي الأميركي ـ “الإسرائيلي”، ويلقياها في شباكه.

اتفاق إطار صاغته مسبقاً واشنطن وتل أبيب، وفرضته على السلطة اللبنانية التي التزمت بكلّ عيوبه، فيما “إسرائيل” احتفظت بسلطتها الاستنسابية في تقييم ما سيجري مستقبلاً وفق رؤيتها ومصالحها الخاصة، محتفظة بهامش كبير من المناورة، والمماطلة، والمراوغة، والمخادعة، والابتزاز، بغية تحقيق أهدافها، وإبقاء لبنان يتخبّط في الداخل، وهي التي لديها خبرة طويلة في وأد الاتفاقات والقرارات الأممية ذات الصلة، وعدم الالتزام بها، لأنها لا تلبّي أهدافها الاستراتيجية الأمنية والتوسعية.

سؤال نوجّهه بهدوء، إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والقاضي السابق رئيس الحكومة الحالي نواف سلام بأن يقولا لنا بكلّ شفافية ومسؤولية وطنية، وضمير حي، هل هما فعلاً مقتنعان بكلّ ثقة، وأمانة، ويقين، أنّ اتفاق الإطار سيحفظ وحدة الشعب اللبناني، ولا يمسّ بالسيادة الفعلية للبنان، دون أن يكون لـ “إسرائيل” مستقبلاً اليد الطولى فيه أمنياً وعسكرياً؟! هل اتفاق الإطار متوازن بين ما حققته “إسرائيل”، وما التزم به لبنان؟!

كيف يمكن لحكومة تحترم نفسها وتحمي شعبها، أن تقبل وتقرّ حصراً في اتفاق الإطار، من أنّ حكومة “إسرائيل” تشدّد على أنّ عمليّاتها العسكرية في لبنان، هي حصراً نتيجة الهجمات والتهديدات والنوايا العدوانيّة الصادرة عن الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ولا سيما حزب الله”.
بهذا تكون الدولة اللبنانيّة قد أقرّت أنّ المعتدي هو الجانب اللبناني، وأنّ “إسرائيل” “حمامة السلام”، معتدى عليها! يا للعار على حكومة تقبل بهذا النص، وتتجاهل اعتداءات “إسرائيل” المتواصلة وخرقها للقرار الأممي 1701 لعام 2006 وحتى 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث تجاوز عدد خروقاتها أكثر من أربعين ألف خرق بري وبحري وجوي، في حين لبنان لم يطلق خلال هذه المدة رصاصة باتجاه العدو. ألم تكن ممارسات العدو يا رئيسي الجمهورية والحكومة، على مدى 17 عاماً تهديدات واعتداءات، أم أنها كانت رحلات إسرائيلية ترفيهية، برية، وبحرية، وجوية؟!
كيف يمكن للحكومة اللبنانية أن تقرّ بادّعاءات “إسرائيل”، وتلتزم صمت القبور حيال ما قام به جيشها على مدى عقود من اعتداءات على لبنان، ولا تشير إلى ما ارتكبه من جرائم بحق لبنان!

كيف يمكن لدولة يبدي مسؤولوها غيرتهم على السيادة، ويتشدّقون بها، في حين هم يرتضون باتفاق تلزم به “إسرائيل” الجيش اللبناني بنزع سلاح الجماعات المسلحة بالقوة، وتفكيك بنيتها الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، وتعطي الحق لـ”إسرائيل” بالتحقق من نزع سلاح الجماعات، وتفكيك بنيتها، بما يمكن الجيش الإسرائيلي من إعادة الانتشار تدريجياً من لبنان، دون تحديد وقت لانسحابه، وإنما ترك الأمور لمشيئته، بعد أن يكون قد نفذ ما يريده.

لوهلة الأولى، يتصوّر مَن يقرأ نص اتفاق الإطار، أن لبنان هو المعتدي، وهو الذي يحتلّ جزءاً من أرض الكيان، وأنّ لبنان هو الذي أباد ودمّر قرى بأكملها، وهو الذي قصفت “مقاتلاته” وبوارجه الحربية الأماكن السكنية، ودمّرت قرى وأحياء بأكملها، وهجّرت سكانها! يا للعجب حين تشرب الدولة حليب السباع، لتقرّ في البند 4 من الاتفاق: “أنّ حكومة لبنان تؤكد التزامها على إعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والموثق، لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية، وضمان عدم وجود أيّ دور عسكري، أو أمني، أو قدرات مسلحة لهذه الجماعات في أيّ مكان من لبنان، وإذا تعذر عليها ذلك، فإنّ الحكومة ستطلب دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما العرب بقيادة الولايات المتحدة لتحقيق هذه الغاية” (!).

هذا يعني أنّ الحكومة اللبنانية إذا لم تستطع نزع سلاح المقاومة (ولن تستطيع ذلك)، عندئذ بإمكانها أن تستعين بالشركاء الدوليين، والعرب أن يتدخلوا، ويقوموا بتنفيذ هذه المهمة بالقوة العسكرية بقيادة الولايات المتحدة، وجعل لبنان وأرضه وشعبه تحت تصرفها، تفعل فيه ما تشاء.

وفي المقابل ترفض الحكومة “ادّعاءات” دولة صديقة للبنان، استخدام القوة دفاعاً عنه، في حين تستقوي بدولة أجنبية ما كانت يوماً إلا داعمة للعدو بلا حدود.

كيف يمكن لحكومة تسمح لنفسها أن تستنجد بدولة لنزع السلاح بالقوة من أيدي الذين حرّروا لبنان من الاحتلال، في وقت عجزت فيه عن الدفاع عن شعبها وسيادتها، وأرضها!

البند 1 في اتفاق الإطار، جاء فيه: “تؤكد “إسرائيل” ولبنان، حق كلّ دولة في الوجود بسلام، ورغبتهما المشتركة في العيش بأمان كدولتين سياديتين جارتين، وتعلن “إسرائيل” ولبنان عزمهما على إنهاء الصراع بشكل نهائيّ، وإنهاء أيّ حالة حرب بينهما بشكل رسمي”. هذا البند أطاح باتفاقيّة الهدنة لعام 1949 التي توقف العمليات العسكريّة، ولا تنهي الحرب. كما أطاح بالمبادرة العربية للسلام الصادرة عن القمة العربية في بيروت عام 2002 والتزم بها لبنان!

إنّ اتفاق الإطار يقرّ ويعترف بـ”إسرائيل” صراحة، بحيث لم يبقَ أمام الحكومة اللبنانيّة إلا الاعتراف الرسمي، والقيام بإجراءات روتينية لإخراج الاعتراف الضمنيّ بـ”إسرائيل” إلى العالم.

هنا يتبيّن بوضوح، لماذا أصرّت أميركا و”إسرائيل” على تطعيم الوفد العسكري اللبناني المفاوض بسياسيين أو دبلوماسيين! إصرار لم ينطلق من فراغ، بل غايته الذهاب بالمفاوضات إلى أبعد من الإطار الأمنيّ والعسكريّ، وذلك لجرّ الحكومة اللبنانية إلى مفاوضات سياسية أمنية، تنتزع منها مواقف سياسيّة تحقق “إسرائيل” منها، ما عجزت عن تحقيقه منذ إنشاء كيانها قبل ثمانية عقود.

في الوقت الذي ترفض فيه الحكومة في البند 6 ادّعاءات أيّ دولة (المقصود هنا إيران)، استخدام القوة نيابة عنها دون تفويض صريح منها، في حين البند 9 ينص على “أنّ لبنان يلتزم ببرنامج صارم لبسط سيطرة الجيش الكاملة داخل لبنان، مع طلب “مساعدة” أميركية لتحقيق نتائج ملموسة”!

بعد كل ذلك، هل سمع رئيسا الجمهورية والحكومة ما قاله منذ أيام الوزير “الإسرائيلي” المتطرف سموتريتش: “سنعزز الاستيطان في الضفة الغربية، وغزة، وجنوب لبنان”! وهل سمعا ما قاله يوم 24 حزيران الفائت وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس خلال مؤتمر للقادة المحليين في تل أبيب: “حتى لو كان هناك طلب أميركي، فلن نسحب قواتنا من جنوب لبنان، وأنّ الجيش الإسرائيلي لن يغادر ساحة المنطقة الأمنية في سورية ولبنان. هذه عقيدتنا الأمنية، ويجب أن يكون الجيش الإسرائيلي عند جهة العدو، وأن يدافع عن البلدات من داخل أراضيه، الجنود في الداخل، والسكان في الخارج، نحن لن ننسحب!”.

هل يعقل يا رئيسي الجمهورية والحكومة، أنّ اتفاق الإطار الذي يتضمّن 14 بنداً، لم تُذكر فيه كلمة واحدة عن الانسحاب لجيش الاحتلال الإسرائيلي؟! كيف يمكن للوفد اللبناني المفاوض ألا يلحظ ذلك، وأن لا يُصرّ ويركز على تضمين الاتفاق ما يؤكد على انسحاب جيش الاحتلال من لبنان، في حين كلمة الانتشار ذُكرت أكثر من مرة، مما يولد الشكوك الكبيرة تجاه الموقف الرسمي اللبناني إزاء الاحتلال والانسحاب، والقبول بالانتشار، والاستسلام المخزي لإرادة العدو والوسيط معاً.

الذين ينتظرون “السلام” من العدو، وانسحابه الكامل من لبنان، في ظلّ حكومة منبطحة متخاذلة، إنما يراهنون على سراب يقرّب عليهم البعيد، ويبعّد عنهم القريب. وحدهم الحمقى المتواطئون، المنتفعون، الذين يثقون بتعهّدات واشنطن ووساطتها، ويصدّقون وعود “إسرائيل” الكاذبة، هؤلاء الذين يدفنون رؤوسهم في الرمال كالنعام، ما عليهم إلا أن يراجعوا اتفاقات الآخرين مع “إسرائيل”، و”الوسيط” الأميركي، ليعرفوا أين وصل الحال بهؤلاء!

ما تعهّد به لبنان في البند 13 بوقف جميع الأعمال العدائية أو المناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، يعني تجريد الحكومة مستقبلاً من أيّ حق قانوني لملاحقة “إسرائيل” أمام المحاكم الدولية، على ما ارتكبته من مجازر، أو مطالبتها بتعويضات، وغضّ النظر نهائياً عما ارتكبته من فظائع بحق لبنان وشعبه، ولسان حالها يردّد “عفا الله عما سلف”!.

لا تعوّلوا على الاتفاق الذي عرّى الدولة اللبنانية من أساسها، وأسقط عنها ورقة التوت، وكشف مدى انبطاحها، وخنوعها، واستسلامها، حيث لم تحافظ على الحدّ الأدنى من كرامة دولة، وسيادة وطن، وعنفوان شعب، فكانت عديمة الوفاء لعشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، الذين دافعوا عن سيادة وشرف وتراب لبنان، وتنكّرت لهم في ليلة ظلماء، متعمّدة أن تكون في خندق واحد مع واشنطن وتل أبيب، تلبّي هدفهما الذي طال، وتضع نفسها في حلف ثلاثي هدفه واحد، لن يقدّم للبنان إلا المزيد من الفوضى، والتمزّق، وعدم الاستقرار، والنيل من شريحة عظمى من اللبنانيين. هذا ما تريده “إسرائيل” من لبنان، إنها فرصتها الذهبية بوجود من هم اليوم في السلطة، خاصة بعد أن وصل من وصل إلى الحكم برغبة وضغط، ورعاية، ونفوذ دولة خارجيّة، استطاعت أن تحقق في نهاية المطاف “إنجازاً تاريخياً لـ”إسرائيل””، بعد أن علقت أتباعها في شباك القتلة، وفرضت عليهم اتفاق ذلّ، طُبع بدمغة أميركية إسرائيلية بحتة!

فلتُكشَف للعلن الترتيبات الأمنية التي وافقت عليها الحكومة، والمتمّمة لاتفاق الإطار حتى تنجلي الأمور، ويعرف اللبنانيون حقيقة ما يجري خلفهم، وحقيقة الاتفاق إذا كان سيؤدي إلى الانفراج أو الانفجار!

سيحكم الشعب على الذين تنازلوا بإرادتهم عن سيادة وحقوق لبنان، وجعلوه حقل “تجارب” لسياسات العدو، نزولاً عند رغبة الأوصياء، وحفاظاً على مناصبهم التي لن تدوم طويلاً…

*وزير الخارجيّة والمغتربين الأسبق

عن “البناء”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى