لبنان بين صراع المحاور وثمن الانتظار

كتب العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
وفي خضم هذا الصراع الكبير بين الولايات المتحدة وإيران، يبقى السؤال الأصعب: أين يقف لبنان؟ ومن يدفع الثمن إذا عادت المنطقة إلى منطق الصراع المفتوح؟
فالتجربة اللبنانية أثبتت أن البلد الصغير يدفع غالبًا ثمن النزاعات الكبرى عندما يتحول إلى ساحة اختبار للنفوذ. فلبنان لا يملك القدرة الاقتصادية ولا العسكرية لتحمل حرب استنزاف طويلة، وأي اهتزاز أمني أو سياسي ينعكس مباشرة على شعبه ومؤسساته ومستقبله.
المشكلة ليست فقط في الضغوط الخارجية، بل في قابلية الداخل لأن يصبح امتدادًا لهذه الضغوط. فعندما يُربط قرار لبنان بالكامل بهذا المحور أو ذاك، يفقد تدريجيًا مساحة المناورة التي يحتاجها لحماية مصالحه.
لقد شهد لبنان في مراحل سابقة كيف يمكن للصراعات الإقليمية أن تعيد رسم حدوده السياسية والأمنية، وكيف يصبح اللبنانيون هم من يدفعون ثمن الحسابات الكبرى. وإذا عادت المعادلة نفسها، فإن الخطر ليس في أن يكون للبنان علاقات مع الشرق أو الغرب، بل في أن يتحول إلى ورقة تفاوض بين الآخرين.
فالدول الكبرى لا تتحرك بمنطق الصداقة الدائمة، بل بمنطق المصالح. وقد تدعم حليفًا في مرحلة، ثم تعيد حساباتها عندما تتغير الظروف. لذلك فإن انتظار حماية الخارج وحده أثبت عبر التاريخ أنه رهان خطير.
المطلوب ليس عزل لبنان عن العالم، فهذا غير واقعي، بل بناء دولة قادرة على التفاوض من موقع الندّية، لا من موقع الساحة. دولة تمتلك قرارها، وتمنع أن يكون شعبها وقودًا لحروب لا يختارها.
فالدرس الأكبر من كل الحروب والتجارب هو أن الأمم لا يحميها فقط سلاحها، بل وحدة قرارها.
وأن لبنان، إذا أراد الخروج من دوامة الصراعات، عليه أن ينتقل من سؤال: مع من نكون؟ إلى السؤال الأهم: كيف نكون نحن؟


