الحروب الأميركية… انتصارات عسكرية وخسارات استراتيجية

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
عندما نقرأ تاريخ الحروب الأميركية منذ منتصف القرن العشرين، نكتشف مفارقة أساسية: الولايات المتحدة نادرًا ما عجزت عن تحقيق تفوق عسكري في ساحة المعركة، لكنها كثيرًا ما وجدت نفسها أمام السؤال الأصعب: ماذا بعد الانتصار؟
فالقوة العسكرية تستطيع تدمير جيش، إسقاط نظام، واحتلال أرض، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة شرعية سياسية أو بناء واقع جديد وفق إرادة خارجية.
بعد الحرب العالمية الثانية خرجت الولايات المتحدة كالقوة الأعظم في العالم. لم يكن انتصارها عسكريًا فقط، بل كان انتصارًا استراتيجيًا، إذ ساهمت في بناء نظام دولي جديد، وترسيخ مؤسسات عالمية، وتثبيت نفوذ اقتصادي وسياسي واسع. لكن هذا الصعود فتح في الوقت نفسه باب صراع طويل مع الاتحاد السوفياتي، عُرف بالحرب الباردة.
في كوريا، تدخلت واشنطن لمنع سقوط الجنوب بيد الشيوعية، ونجحت في تثبيت حليفها، لكنها لم تحقق الهدف الأكبر: توحيد شبه الجزيرة. انتهت الحرب إلى تقسيم لا يزال قائمًا حتى اليوم، ليبقى النصر العسكري ناقصًا أمام العجز السياسي.
أما في فيتنام، فظهرت حدود القوة الأميركية بوضوح. امتلكت واشنطن تفوقًا ناريًا هائلًا، لكنها اصطدمت بحرب مختلفة؛ حرب إرادة وصمود وبيئة معقدة. خاضت المعارك وانتصر جيشها في الكثير منها، لكنها خسرت الهدف النهائي، وانتهى الأمر بانسحابها وسقوط حليفها، لتصبح فيتنام أحد أكبر الدروس في التاريخ العسكري الحديث.
وفي حرب الخليج عام 1991، حققت الولايات المتحدة انتصارًا عسكريًا لافتًا عبر تحالف دولي واسع، فأخرجت الجيش العراقي من الكويت خلال فترة قصيرة. لكن الحرب لم تُنهِ أزمات المنطقة، بل تركت خلفها واقعًا متوترًا قاد لاحقًا إلى تحولات كبرى.
ثم جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول، فدخلت أميركا حربًا طويلة في أفغانستان. سقط نظام طالبان سريعًا، وتم ضرب تنظيم القاعدة، لكن المشروع الأكبر، أي بناء دولة مستقرة وفق الرؤية الأميركية، لم يصمد. وبعد عشرين عامًا من الحرب، انسحبت القوات الأميركية وعادت طالبان إلى الحكم، في مشهد أعاد طرح السؤال نفسه: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تصنع نظامًا سياسيًا جديدًا؟
أما العراق عام 2003، فكان المثال الأكثر تعقيدًا. استطاعت الولايات المتحدة إسقاط نظام صدام حسين خلال أسابيع، لكنها دخلت بعدها في حرب طويلة من التمرد والانقسامات الداخلية. والأهم استراتيجيًا أن سقوط بغداد غيّر ميزان القوى في المنطقة، وفتح الباب أمام توسع النفوذ الإيراني، وهو تطور لم يكن ضمن الحسابات الأميركية المعلنة.
ومن هنا انتقل الصراع الأميركي إلى مرحلة مختلفة: مرحلة مواجهة النفوذ بدل الاحتلال المباشر، وكانت إيران أبرز ساحاتها.
فالمواجهة الأميركية ـ الإيرانية لم تكن حربًا تقليدية معلنة بين جيشين، بل صراعًا طويلًا على النفوذ والقرار. منذ الثورة الإيرانية عام 1979، تحولت العلاقة بين الطرفين إلى خصومة مفتوحة. خسرت واشنطن حليفًا استراتيجيًا مهمًا في المنطقة، بينما اعتبرت طهران أن خروج النفوذ الأميركي من محيطها جزء من استقلال قرارها.
لم تدخل الولايات المتحدة حربًا شاملة مع إيران، لكنها خاضت معها صراعًا متعدد الأشكال: عقوبات اقتصادية، ضغوط سياسية، وجود عسكري في المنطقة، مواجهات غير مباشرة، ومحاولات احتواء للنفوذ الإيراني.
حققت واشنطن بعض النجاحات؛ فقد تمكنت من فرض ضغوط اقتصادية كبيرة، وأبقت إيران تحت ضغط دولي، وحافظت على شبكة تحالفات ووجود عسكري واسع.
لكنها في المقابل اصطدمت بحدود القوة. فالعقوبات لم تؤدِّ إلى انهيار النظام الإيراني، والضغط العسكري لم يحقق تغييرًا استراتيجيًا حاسمًا. كما أن إيران استطاعت الصمود، وبناء نفوذ إقليمي واسع، وإجبار خصومها على التعامل معها كقوة مؤثرة.
أما إيران، فقد نجحت في منع الولايات المتحدة من فرض إرادتها كاملة، لكنها دفعت أثمانًا كبيرة من اقتصادها وعلاقاتها الدولية، وبقيت تحت ضغط مستمر.
وهكذا تظهر الصورة العامة للحروب الأميركية:
الولايات المتحدة تستطيع غالبًا كسب المعركة العسكرية، لكنها تواجه صعوبة أكبر في كسب الحرب السياسية الطويلة.
فالانتصار لا يُقاس بعدد الطائرات التي تقلع، أو بسرعة سقوط العواصم، بل بقدرة الدولة على تحويل القوة إلى استقرار دائم.
لقد أثبت التاريخ أن الجيوش تستطيع فتح الأبواب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تدير ما خلف تلك الأبواب. وفي النهاية، تبقى السياسة والإرادة الشعبية والواقع الإقليمي عوامل لا يمكن لأي قوة عظمى تجاهلها.



