اخبار لبنانبة

تعبيد الطريق نحو الدولة: “الثقة كشرط وجود”/ بقلم العميد منير عقيقي

في ما يلي مقالتي في مجلة “الامن العام” عدد شهر ايار:
في المجتمعات المستقرة، تُفترض الثقة بالدولة، كأمر بديهي، يكاد لا يُناقش. اما في المجتمعات المنهكة، فهي مسألة خلافية، بل شبه مستحيلة. لا تنشأ المشكلة من غياب الخطاب عن الدولة، بل من فائضه. الجميع يتحدث باسم الدولة، لكن القليل فقط يختبرها كواقع. وهنا تحديداً، تتحول الثقة من شعور طبيعي إلى معركة وجود.
الثقة بالدولة ليست مجرد موقف نفسي، بل هي ركيزة كل نظام سياسي. فهي التي تجعل المواطن يلتزم القانون من دون إكراه دائم، ويدفع الضرائب من دون شعور بالابتزاز، ويحتكم إلى القضاء ليضمن حقّه بدل اللجوء إلى القوة او الوساطات. لكن هذه الثقة لا تُمنح تلقائيا، بل تُبنى عبر تجربة متراكمة، وغالبا ما تكون طويلة.
في الحالة اللبنانية، لا يمكن فهم أزمة الدولة من دون فهم انهيار الثقة بها. هذا الانهيار لم يكن لحظة مفاجئة، بل نتيجة مسار تراكمي طويل يبدأ بتكوين زعامات واحزاب اكبر من الدولة، استثمار المؤسسات والادارات للمصالح الشخصية، وسياسة المحاصصة لا حساب الكفاءة. ومع كل اهتزاز او سقوط في أي مؤسسة، كانت مسافة الثقة تكبر بين الدولة وبين المواطن، إلى أن تحولت إلى فجوات شبه كاملة.
الأخطر من غياب الثقة، هو ما يحل محلها. فحين ينسحب المواطن من الدولة، لا يتحول إلى كائن حر، بل يبحث عن بدائل: الطائفة، الحزب، الزعيم، الخارج أو حتى شبكات المصالح الضيقة. وهكذا، لا تختفي الثقة، بل يُعاد توجيهها. تصبح ثقة جزئية، مشروطة، ومحصورة داخل جماعات مغلقة، بدل أن تكون علاقة عامة وشاملة مع الدولة.
هذا التحول ليس تفصيلا، بل هو جوهر الأزمة. لأن الدولة، في معناها الحديث، تقوم على فكرة أن العلاقة بين الفرد والسلطة تمر عبر مؤسسات عامة، سقفها القانون، لا عبر وسطاء او منتفعين او اصحاب نفوذ. وعندما يُسمح لهؤلاء بالتحرك داخل الإدارات، تتفكك الدولة تلقائيا، حتى لو بقيت هياكلها قائمة.
السؤال هنا ليس: لماذا لا يثق اللبناني بدولته؟
هذا السؤال، رغم قسوته، ضروري. لأن الثقة لا يمكن أن تُبنى على الوهم. الدولة التي لا تحمي، لا تُحاسب، ولا تؤمّن الحد الأدنى من العدالة، لا يمكن أن تكون موضوعاً للثقة، بل موضوعاً للشك.
ومع ذلك، لا يمكن القبول بأن غياب الثقة قدر نهائي. لأن البديل ليس الحياد، بل الفوضى. المجتمعات التي تفقد ثقتها بالدولة لا تتحرر، بل تتفكك. تتحول إلى فسيفساء من الولاءات الصغيرة، حيث يصبح الأمن خاصا، والعدالة انتقائية، والحقوق مشروطة.
من هنا، فإن إعادة بناء الثقة ليست خيارا سياسيا، بل ضرورة وجودية. لكنها لا تبدأ بالمطالبة بها، بل بإعادة إنتاج شروطها. الدولة لا تستعيد الثقة عبر الخطابات، بل عبر أفعال ملموسة تعيد تعريف علاقتها بالمواطن.
ان اعادة بناء الثقة لا تقع على عاتق الدولة وحدها. فالمواطن، بدوره، جزء من هذه المعادلة. الثقة ليست استسلاما، بل علاقة نقدية. أن تثق، لا يعني أن تصمت، بل ان تُحاسب. ربما في المجتمعات المنهكة، يصبح النقد نفسه شكلاً من أشكال الثقة: ثقة بأن الدولة ما زالت قابلة للإصلاح.
تعبيد الطريق نحو الدولة يبدأ من هنا: من إعادة تعريف الثقة، لا كواجب على المواطن، بل كاستحقاق على الدولة. وعندما تبدأ هذه المعادلة بالتحقق، ولو جزئياً، يمكن للثقة أن تعود، ليس كشعار، بل كقوة فعلية تعيد ربط المجتمع بمؤسساته.
في النهاية، قد لا تكون الثقة ممكنة بالكامل في لحظة الانهيار. لكنها تظل الأفق الوحيد. لأن الدولة، من دونها، ليست أكثر من هيكل فارغ. ومعها، حتى في حدها الأدنى، تصبح مشروعاً ممكنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى