مقالات

انتصار… أم استراحة قبل الحرب الكبرى؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

في لبنان، لا تنتهي الحروب حين تتوقف المدافع، بل حين تتبدّل الروايات.
وإذا قُدّر لهذا البلد أن يحصل على ما يريد حقوقًا، حدودًا، أو مكاسب سيادية فلن يكون التحدي في ما تحقق، بل في كيف سيُروى للناس.
سيُقال إن ما جرى ليس تنازلًا، بل نتيجة طبيعية لقوة الردع. سيُعاد ربط كل إنجاز بما فرضه حزب الله من توازن مع إسرائيل. لن يكون هناك اعتراف، ولا تطبيع، بل “حق أُخذ بالقوة”، وفق الرواية الجاهزة.
لكن الحقيقة التي تُهمس ولا تُقال، أن هذا النوع من الاتفاقات لا يُنهي الصراع، بل يعيد تنظيمه.
وما إن يُعلن “الإنجاز”، حتى تدخل المعركة من باب آخر: الإعلام.
إعلام حزب الله سيُسخَّر لتسويق ما جرى على أنه انتصار صافي ينسجم مع أهدافه، يضخّم المكاسب ويعيد تفسير الوقائع بما يخدم سرديته. في المقابل، سيقف إعلام آخر على الضفة النقيضة، يقدّم الرواية نفسها كتنازل مقنّع أو تسوية مفروضة.
وهنا، لا نكون فقط أمام اختلاف في الرأي، بل أمام انقسام عامودي إعلامي حاد:
روايتان متناقضتان لحدث واحد، وجمهوران يعيشان حقيقتين مختلفتين. ومع هذا الانقسام، لا يعود الخلاف سياسيًا فحسب، بل يتحوّل إلى شرخ في الوعي الجماعي، حيث كل طرف يرسّخ قناعاته بمعزل عن الآخر.
ما يلي “الإنجاز” لن يكون سلامًا، بل هدوءًا مشروطًا، هشًّا، قابلاً للاهتزاز عند أول اختبار. ستبقى الجبهة مفتوحة، ليس على حرب شاملة فورًا، بل على جولات محسوبة من العنف: قصف مبرمج، رسائل بالنار، وضبط إيقاع دقيق للتصعيد. الجنوب، كعادته، سيبقى صندوق بريد لهذه الرسائل.
غير أن الأخطر لا يكمن في هذه الجولات، بل فيما بعدها.
فهذا الهدوء نفسه قد لا يكون سوى استراحة محارب. وإذا اختلّ التوازن أو شعر أي طرف أن ما تحقق لا يعكس ما يريده فعليًا فإن العودة إلى الحرب تصبح احتمالًا واقعيًا، لا افتراضًا نظريًا.
وعندها، لن تكون الحرب نسخة عن سابقاتها.
قد تأتي أكثر قسوة، أكثر انتشارًا، وأكثر تحررًا من كل الضوابط التي حكمت الجولات الماضية. لأن ما جرى لن يكون قد عالج جذور الصراع، بل أجّل انفجارها.
في الداخل، سيُطلب من الناس تصديق رواية “الانتصار الهادئ”.
لكن بين هذا الهدوء وصوت الانفجار المحتمل، مسافة قصيرة جدًا أقصر مما نتصور.
هنا، يصبح السؤال الحقيقي:
هل نحن أمام نهاية معركة… أم بداية حرب مؤجلة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى