مقالات

بين خطاب النصر وضرورة التثبيت !

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

النقيض الذي يحكم السياسة بعد الحرب:
– يُقال إن “لا أحد يريد التفاوض”، وإن القرار قد حُسم، وإن الواقع الميداني بات واضح الاتجاه، وإن ما تحقق على الأرض كفيل وحده بإقفال الملف وفتح مرحلة جديدة من البناء والعودة والاستقرار.
– لكن النقيض في السياسة، أن ما يبدو محسومًا في الخطاب لا يكون محسومًا دائمًا في الدولة، وأن ما يُعلن في لحظة قوة لا يتحول تلقائيًا إلى واقع ثابت ما لم يُترجم إلى قواعد واتفاقات وموازين مستقرة.
– يُقال إن الإرادة الداخلية وحدها تكفي، وإن من يعنيهم الأمر قد عبّروا بوضوح عن رفضهم لأي مسار تفاوضي، وأن هذا الرفض هو عنوان المرحلة ومفتاحها.
– لكن النقيض أن الدولة لا تُدار بمنطق طرف واحد مهما كان حجمه أو دوره، بل بمنطق الكلّ الوطني الذي يضم الأرض والاقتصاد والمؤسسات والحدود والاعترافات الدولية، وكلها عناصر لا تعمل بالشعارات بل بالتثبيت والتفاهم.
– ويُقال إن “النصر حاصل” وإن المسار قد انقلب، وإن الانسحاب أو التراجع أو التبدّل الميداني يعني نهاية مرحلة وبداية أخرى محسومة الاتجاه.
– لكن النقيض أن التحولات العسكرية، مهما بدت حاسمة في لحظتها، لا تكتمل إلا حين تتحول إلى تسويات سياسية أو ترتيبات مستقرة، وإلا بقيت عرضة لإعادة التشكل أو الانفجار أو التراجع.
– ويُقال إن لا حاجة إلى تفاوض، لأن ما تحقق على الأرض كافٍ بحد ذاته، وأن فتح أي مسار سياسي قد يُفسَّر كتنازل أو التفاف على الإنجاز.
– لكن النقيض أن غياب التفاوض لا يُنهي الصراع، بل قد يجمده على شكل هشّ، قابل للاهتزاز مع أي تغيير في الظروف أو التوازنات أو الضمانات، وأن الصمت السياسي ليس دائمًا نهاية، بل أحيانًا هو استراحة بين موجتين.
– ويُقال إن الأولوية هي للإنجاز الميداني، وإن السياسة تأتي لاحقًا أو لا تأتي، وإن الواقع الجديد يفرض نفسه دون حاجة إلى إطار تفاوضي.
– لكن النقيض أن الواقع، مهما بدا صلبًا، يحتاج إلى اعتراف أو تفاهم أو تثبيت، وإلا بقي واقعًا قابلًا لإعادة النقاش عند أول اختبار جدي، سواء داخلي أو خارجي.
— في هذا السياق، يصبح دور رأس الدولة ليس الانحياز لرواية ضد أخرى، بل إدارة التناقض نفسه: بين خطاب النصر ومتطلبات الاستقرار، بين منطق القوة وضرورات السياسة، وبين الرفض الشعبي لأي تسوية والخشية من أن يتحول غيابها إلى فراغ مفتوح على احتمالات غير محسوبة.
إن التفاوض في جوهره، في مثل هذه المراحل، لا يكون بالضرورة تنازلاً، بل قد يكون أداة لتحويل ما تحقق إلى وضع ثابت، أو لحماية نتائج ميدانية من التآكل، أو لمنع انزلاق الواقع إلى مواجهة جديدة.
وفي النهاية، يبقى كل هذا البناء قائمًا على فرضية أساسية: أن هناك نصرًا قد تحقق فعلاً، وأن ميزان القوة قد استقر نهائيًا على صورة واحدة لا رجعة عنها.
لكن النقيض الأكثر واقعية وهدوءًا، أن إعلان النصر شيء، وتثبيته شيء آخر، وأن ما لم يُترجم إلى استقرار سياسي واتفاقات واضحة وضمانات دائمة، يبقى مفتوحًا على التأويل، وعلى التحول، وعلى اختبار الزمن.
بهذا المعنى، يصبح السؤال أعمق من مجرد نصر أو لا نصر، ليعود إلى جوهر السياسة: كيف تُغلق الحروب فعلاً، وكيف تُصان النتائج، وكيف لا تتحول لحظات الحسم إلى مقدمات لجولات أخرى، وكيف لا يبقى “الانتصار” مجرد خطاب، بل واقعًا مستقرًا لا يحتاج إلى إعادة إثبات في كل مرحلة جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى