مقالات

قراءة لخطاب الرئيس: الطريق إلى لقاء نتنياهو لا تمُر عبر “فرم” مكوِّن مقاوِم

بقلم// مريم البسام

لا يزالُ صدى صوتِ الرئيس يخرقُ
غلافَ الأُذُن،
وكان يمكنُ تفادي الكتابةِ المُولِّدةِ للكآبة،
لولا أنَّ الحريصين بدهاءٍ على موقعِ الرئاسة
أُصيبوا بداءِ الصَّرَع في دفاعٍ تُسبِّبُه، على الأغلب، السَّحايا السياسية.

ولنعترفْ أولًا
أنَّ خطابَ الرئيس،
المصحوبَ في ذلك المساءِ بشتاءِ نيسانَ العنيف،
كان فيه ربّانُ السفينةِ ضنينًا على “مركبِ الموت”
ويخاطبهم من موقعِ المُنقذ،
الذي إذا صرخَ بهم كأمرِ يوم،
فذلك لقدرتِه على إيصالهم إلى برِّ الأمان.

لا أحدَ اعتقدَ غيرَ ذلك
في بدايةِ كلماتٍ أعقبت نشيدًا وطنيًا
تأكَّدنا فيه أنَّنا كلُّنا للوطن،
لعُلاهُ ورئيسِه والعَلَم.

صدقًا، تراءى لنا
أنَّ جزءًا منسيًا من كلماتِ رشيد نخلة
وألحانِ وديع صبرا،
أُودِعَ في أدراجِ الوطنِ قبل مئةِ عام،
ويقول مطلعُها:

يا أبناءَ وطني، يا أهلي وإخوتي،
أُخاطبُكم اليومَ من موقعِ المسؤولية،
ومن قلبِ الألم،
لا بكلماتٍ عابرة…

إلى هنا،
وفي ليلٍ يَكِدُّ مطرًا،
شعرنا أنَّنا
“سنخوضُ الخطابَ معك”.

وقبل أن نأخذَ نفسًا من الفخرِ العارمِ بهذه الافتتاحية،
عاجَلَنا الرئيسُ بالصدمات،
وبدأ بتفكيكِ لُحامِنا،

فتملَّكنا شعورٌ
أنَّنا، نحنُ الأولادُ الأوغاد،
تسبَّبنا لرئيسِنا بعدوى التهاباتِ الأُذنِ الوسطى،
فأصابها التجويف،
وأصبحت تعاني صعوبةً
في نقلِ الموجاتِ الصوتية
إلى الطبلةِ الداخلية،
مع تصاعدِ الضغطِ الجوي
عبر قناةِ استاكيوس.

عيبٌ علينا،
فكيف لنا أن نُخرِجَه عن أدبياتِ الرئاسة
وندفعه إلى البوحِ بمعاناةٍ شخصية،
وهو الذي تحمَّل
“اتهاماتٍ… وإهاناتٍ… وتجنِّيًا وأضاليل”.

ما هذه الخِصالُ الرديئةُ التي نتمتَّع بها
حتى ندفعَ به إلى التهلكة،
ونحفِّز “أكاديميةَ حبِّ الحياة”
على إعلانِ البيعةِ والولاء،
وهم أوفى من بايعَ وباع،
ويشتهرون بهذه الميزة
كاشتهارِ لبنانَ بالحمضيّات
وبساتينِ الليمون…

لا تُصدِّقْ رياءهم،
وبعضُهم كان يُمنِّي النفسَ بانقلابٍ ضدَّك،
لأنَّ العمرَ بعد خمسِ سنواتٍ
سيدخلُ مرحلةَ الكهولة،
ويُلامسُ أطرافَ الزهايمر.

بعضُ هؤلاء حبُّوك، أتُصدِّق هذا؟
تبادلوا الودَّ عليك،
ورموكَ بمديحٍ عالٍ،
وهم الذين كانوا يمقتون ظلَّك.

جيد،
وقد تكونُ الفخامةُ شعرت بالنصرِ والعزَّة،
لكنَّ الطريقَ إلى لقاءِ نتنياهو، يا عزيز،ي،
لا تمرُّ عبر تقزيمِ وإهانةِ شريحةٍ واسعةٍ
من شعبِك العظيم.

كان كلُّ هدفِ الخطاب
هو الهبوطُ التدريجي
نحو مدرَّجاتِ واشنطن،
والبدءُ بإزالةِ الحُرُمِ الوطني
عن لقاءٍ مع رئيسِ وزراءِ العدو
بنيامين نتنياهو.

قُلْها،
لكن لا تنتهكْ أدبياتِنا وقناعاتِنا
ومبادئَنا ومفاهيمَنا
تجاه عدوٍّ قتلنا ولا يزال.

قُم بتعريةِ حزبِ الله وإيران
وعمومِ “الآخرين على أرضِنا”،
انتقدهم، عارضهم،
وارتفعْ بسيادتِك إلى أعلى سماء،
لكن ضَعْ هذا تحت عنوان:
أريد أن ألقاه،
دون أن تنبسوا ببنتِ شفة.

وفي الطريقِ إلى الاجتماع،
لا داعي لأن “تغسِّلنا”،
ويأتي إليك المستشارون
بكلِّ مصطلحاتِ البهدلة “للآخرين”،
وما أكثرَها في خطابٍ واحد:

“انتحار، شعاراتٌ مضلِّلة، تدمير،
موتٌ عبثي، موتٌ مجاني،
عدمُ عقلانية (يعني خوت)،
ذرائعُ قضايا خارجية،
يستغلون عواطفكم (يعني عالهِلّة)،
حكِّموا عقولكم (يعني دغري ع دير الصليب)
أرقامٌ للموت كلَّ بضعِ سنوات،
وأضاحي لخارجٍ قريبٍ أو بعيد…
ولا تنسوا الـ”كفى”
وخبطةَ اليدِ على الطاولة.”

وافقنا على هذه التوصيفات،
لكنَّك حيَّدتَ عدوَّنا،
ونزلتَ بالكرباج
على لبنانيين يقاومون،
وصنَّفتَهم بالجنون.

ضبطَنا جوزاف عون (برج الجدي)
متلبِّسين برغبةِ مصافحةِ العدو،
وأنَّنا كلبنانيين
نحنُ من سنشجِّعُه
على قطعِ أوَّل تذكرةٍ للسفر
إلى البيتِ الأبيض،
والاجتماعِ مع رئيسِ وزراءِ إسرائيل،
الذي سيظلُّ عدوًا
ولو أحبَّ الكارهون.

هل قلتَ نتنياهو؟

طيب، حمِّله مسؤولياتٍ كما حمَّلتَنا،
اتهمه، على السطرِ نفسه،
بمسؤوليةِ ارتكابِ جرائمَ حرب،
وأعلن باسمِنا، نحنُ أولياءَ الضحايا،
أنَّك ستقيمُ دعاوىً
ضدَّ إسرائيلَ في محاكمَ دولية،
وتطالبُ بتعويضاتٍ،
على الأقل، لقصفِها بيروتَنا العظيمة.

وانسَ الجنوبَ والبقاع،
لأن لا شيء سيعوِّضُ الأهالي
خساراتٍ في الروح.

لا شيء من هذا في خطابِك.

الطريقُ إلى لقاءِ نتنياهو
لا تمرُّ عبر “فرم” مكوِّنٍ مقاوم،
فالتفاوضُ له شروطُه،
ولن يكون مباشرًا في أيِّ حال،
على الأقل ونحن لم ندفنْ أحباءَنا بعد.

في التفاوض،
فليأتوا لك بكلامِ الزعيمِ الدرزي
وليد جنبلاط الأخير:

إعادة تحرير الجنوب،
تثبيتُ اتفاق الهدنة،
ترسيم الحدود
ثم لاحقاً ندرس إمكانية السلام…
وأستبعدُها.
وهذا يتطلَّب إجماعاً لبنانيًا.

وطريقُ هذا الإجماع
تمرُّ من عينِ التينة.

فأوفِد إليها الـ toters
الناقلَ للرسائلِ من بعبدا،
لتُدرِكَ
أنَّ الاجتماعَ مع نتنياهو
ساقطٌ بالحجّة القانونية والوطنية.

عشتم وعاش شعبي
عاش لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى