مقالات

ما يجري في بنت جبيل لا يمكن فصله عن طاولة التفاوض بل هو في جوهره جزء مباشر منها

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

في الحروب الحديثة، الميدان لا يسبق السياسة فقط، بل يصوغها لحظة بلحظة. لذلك، كل متر يتم التقدم فيه أو تعطيله داخل بنت جبيل ينعكس فورًا في لغة الشروط، ونبرة الوسطاء، وسقف المطالب.

من جهة إسرائيل، المعركة هناك ليست مجرد عملية عسكرية، بل محاولة واضحة لصناعة “إنجاز ميداني” قبل تثبيت أي وقف لإطلاق النار. السيطرة أو حتى الإيحاء بالسيطرة على مدينة بحجم ورمزية بنت جبيل يمنحها ورقة تفاوضية قوية: يمكنها أن تقول إنها فرضت واقعًا جديدًا، وأن أي اتفاق يجب أن يأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، سواء عبر تعديل قواعد الاشتباك أو توسيع المنطقة العازلة أو فرض ترتيبات أمنية مختلفة.

في المقابل، يدرك حزب الله أن خسارة بنت جبيل، حتى معنويًا، ستُترجم فورًا إلى تراجع سياسي على الطاولة. لذلك، يصبح الهدف الأساسي ليس بالضرورة تحقيق نصر هجومي، بل منع الخصم من إعلان نصر. الصمود داخل المدينة، وتأخير الحسم، وتحويل المعركة إلى استنزاف، كلها أدوات تفاوضية بقدر ما هي عسكرية. فكل يوم إضافي من القتال دون حسم يُسقط من يد إسرائيل ورقة كانت تريد استخدامها.

أما إيران، فتتعامل مع المشهد من زاوية أوسع. هي لا تحتاج إلى “انتصار ساحق” بقدر ما تحتاج إلى منع هزيمة حليفها. لذلك، تضغط في الاتجاهين:

– دعم الاستمرار الميداني بالقدر الذي يمنع الانهيار، وفي الوقت نفسه الدفع نحو وقف إطلاق نار عندما ترى أن سقف المكاسب الممكنة قد تحقق، وأن أي تصعيد إضافي قد ينقلب إلى خسارة. من هنا، يصبح التوقيت أساسيًا:
– متى تتوقف الحرب أهم أحيانًا من كيف بدأت.
ولا يمكن إغفال دور الولايات المتحدة والوسطاء الدوليين، الذين ينظرون إلى بنت جبيل كمؤشر خطر. كلما طال أمد المعركة هناك، زاد احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع. لذلك، يزداد الضغط لوقف إطلاق النار كلما اقتربت المعركة من “حافة غير قابلة للضبط”.

في هذا السياق، تتحول بنت جبيل إلى ما يشبه “ميزان حرارة” للمفاوضات:
إذا تقدمت إسرائيل بسرعة: ترتفع شروطها
إذا صمد حزب الله: تتوازن الشروط أو تنخفض
إذا طال الاستنزاف: يتدخل الخارج لفرض التهدئة
الخلاصةالتحليلية:
المعركة في بنت جبيل ليست معركة على مدينة فقط، بل على شكل الاتفاق القادم.
إسرائيل تريد أن تدخل المفاوضات وهي تمسك بصورة نصر،
وحزب الله يريد أن يدخلها وهو يمنع هذه الصورة من التكوّن،
وإيران تريد اتفاقًا لا يُضعف موقعها الإقليمي،
بينما يسعى المجتمع الدولي إلى أي صيغة توقف الانفجار.
لهذا، ما يُحسم في الأزقة هناك، يُكتب حرفيًا في بنود أي وقف إطلاق نار لاحق.
وإذا استمرت المعركة دون حسم واضح، فالأرجح أننا سنصل إلى اتفاق لا يحمل نصرًا صافيًا لأحد، بل يعكس ما يمكن تسميته:
توازن الميدان… الذي يفرض توازن السياسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى