
كتب\\منصور شعبان
منذ 49 سنة مضت طوى التاريخ صفحة تقلّبت من بعدها الأعوام “صورة” بعد “صورة” في أسطورة “حكاية شعب” روتها أصقاع الدنيا للحياة.
أمة تفكّكت بعدما افتقدت لـ”تآلف الفن والسياسة” في صوت حساس جمع بين “الحب” و”الثورة” والتنمية الوطنية والقومية والشعور بالانتماء والتفاعل.
المنطقة كلها ملتهبة والخطر يطوّقها منذ أن كان زمان “العندليب”:
“طاير، طاير، طاير على جناح الحمام
جايب، جايب تحية، تحية وسلام
من كل الأمة العربية لوقفة لبنان الأبية”
وذلك بعدما “صرخت صبية مِن الجنوب، الغدر نازل عَلى الدروب.. وِقْفوا الرجال زي الجبال سمع الصباح صوت السلاح”.
أغنية عربية لم يبق من يشدو بمثلها سوى فيروز التي غنّت “القدس” و”مكة” وجوهَرَ عمرها بينما سائر المغنّين، في الوطن العربي، ينقصهم أمر واحد هو الخروج من “المجاملة الوطنية” إلى “الغناء القومي” الذي يحيي في النفس “الشعور الوطني”.
المسؤولية هنا لا تقع على عاتق السياسيين وحدهم بل يتحملها الشعراء والفنانون، بكل فئاتهم، لصناعة المجد وتقوية الكبرياء لدى الخَلْق.
وفي مثل الساعة العاشرة من مساء الخميس 30 آذار\مارس 1977 كتب التاريخ لحظات اثّرت في حياة امة على مسرح الحياة: “وفاة عبد الحليم حافظ”.
وشاء القدر أن صورة جواز سفره انتهاء تاريخه في يوم وفاته 30/3/1977… وهذه المفاجأة قد شكلت تفصيلاً صغيراً كتب نهاية ميلاد الحكاية.
خبر نزل على الأمة وأصدقائها في الغرب وأميركا كالصاعقة وترحم عليه المغنّي الأميركي الشهير فرانك سيناترا وكان تعليقه: “لا أستطيع ان اتخيّل العالم العربي بلا حليم”.. فقد تعطلت الحياة السياسية من المحيط إلى الخليج، وخصصت الصحافة إصداراتها للحديث عن تسليمه الروح إلى باريها الكريم، حتى أن الكثير من عشاقه دخلوا المستشفيات تأثراً، وانتحرت فتيات من شدّة الحزن الذي ما زال ينعكس في كل مناسبة تمر الى إحياء الذكرى.
وفاة “العندليب الأسمر” أحدثت فراغاً هائلاً تتوسع دائرته، يوماً تلوَ آخر، بسبب اضمحلال الشعور الوطني والقومي لدى “مجتمع الأمة” الذي تعكسه مواقع التواصل الاجتماعي، والأمر يعود إلى ان الفنانين “يجاملون” بأعمالهم أكثر مما يتحملون المسؤولية في صناعة مجد الوطن، والسياسيون الباحثون عن المكانة الجماهيرية، إذّاك، يفتقدونها ويغردون في غير سرب.
عندما شدا عبد الحليم، في معرض دمشق الدولي سنة 1976 قصيدة “قارئة الفنجان” للشاعر نزار قباني وتلحين الموسيقار محمد الموجي، حيّا، في آخر مقابلة اجرتها معه “إذاعة دمشق”، اللبنانيين بعدما شاهد حضور جمهور كبير منهم في الحفل وتمنى ان يعود الصفاء للبنان ليعود إليه؛
ولدى وصوله المطار، عائداً الى القاهرة، فوجئ بوفد من القصر الجمهوري يبلغه رغبة الرئيس حافظ الأسد برؤيته، توجه للتوّ إليه ليجده بانتظاره مرحباً به ومهنئاً على نجاح الحفل.
لكن ما لم يكُ يتوقعه أن يسرّه الأسد بتسليمه رسالة خاصة إلى الرئيس أنور السادات فاستسمحه “حليم”، بلباقة عالية المستوى، أن مثل هذه الرسائل: “سيادتك عارف انها من ضمن مهام السفير أنا فنان..” قاطعه الأسد مبتسماً: “كنت اتوقع جوابك انت فنان عظيم.. لكني اعرف جيداً مكانتك عند الرئيس أنور.. هذه رسالة سرية وأنا أثق بك”.
“حليم” تسلّم الرسالة وذهب بها فوراً الى الرئيس أنور السادات وطلب لقاءه فلبّاه مرحباً بودّ محتضناً قائلاً: “طلب الرئيس الأسد لقائي وسلمني رسالة لحضرتك قلتلو دي من مهام السفير نقل الرسايل”.
فما كان من السادات، بعد تسلمه الرسالة، إلا أن بادره: “انت سفير مصر والأمة العربية يا حليم”.
هذا ما كان عليه زمان عمالقة الفن العربي في المشاركة الفاعلة بالتقريب والتوحيد.
“عاش اللي قال.. الكلمة دي حكمة وفي الوقت المناسب
عاش اللي قال.. لازم نرجع أرضنا من كل غاصب
عاش العرب اللي في ليلة.. أصبحوا ملايين تحارب”
أبيات من اغنية “عاش اللي قال” كان يستهل بها عبد الحليم حافظ حفلاته وكان الجمهور يردّدها معه كالنشيد وقد كتبها الشاعر محمد حمزة ولحنها الموسيقار بليغ حمدي بعد حرب تشرين الأول\أكتوبر 1973.
وسجّل التاريخ لـ”العندليب”: “حكاية شعب” كتبها الشاعر أحمد شفيق كامل ولحنها كمال الطويل بعد إنجاز بناء “السد العالي” 1960، وشدا “المسيح” من كلمات عبد الرحمن الأبنودي وتلحين بليغ حمدي وتوزيع علي إسماعيل أمام جمهور ملأ قاعة “ألبرت هول” في العاصمة البريطانية لندن وقارب الـ9 آلاف شخصاً عقب حرب 1967 وذهب ريع الحفل للمجهود الحربي.
هذه عيّنة صغيرة من شواهد التحدّي الصعب الذي خاضه عبد الحليم حافظ وسائر عمالقة الغناء العربي.



