“قانون الانتخاب”… إدارة للطائفيّة باسم الديموقراطيّة

كتب العميد منير م. عقيقي:
لا يشكل قانون الانتخاب في لبنان مجرد تفصيل تقني او آلية لتنظيم الاقتراع، بل هو تعبير واضح عن طبيعة النظام السياسي نفسه. بعد دورتين انتخابيتين، تبين ان القانون الحالي لم يهدف الى انتاج حياة سياسية حديثة مبنية على التنافس البرامجي او تداول السلطة، بل على ادارة التوازنات الطائفية وضبطها. فالقانون الحالي، القائم على النسبية ضمن دوائر ذات توزيع طائفي صارم، يقدم بوصفه خطوة اصلاحية مقارنة بالقوانين السابقة. غير ان هذا التوصيف يتجاهل جوهر المسألة الا وهي “النسبية” التي لا تعمل في فضاء مدني مفتوح، بل داخل بنية طائفية ومذهبية مغلقة، مما يحولها من اداة ديموقراطية الى وسيلة اكثر دقة لاعادة انتاج الانقسام نفسه.
من حيث الايجابيات، يضمن القانون تمثيل كل طائفة لذاتها، مما يبدد هواجس الالغاء التي كانت قائمة، ويعزز الشعور بـ”الامان السياسي” لدى الجماعات المختلفة والقلقة بطبيعتها من بعضها البعض. كما يمنح هذا القانون وضوحا في قواعد اللعبة، اذ يعرف الناخب مسبقا موقعه وحدود خياره، وتعرف الاحزاب الطائفية حجمها المتوقع ودورها في السلطة.
هذه الايجابيات ليست سوى الوجه الآخر لمشكلة اعمق. فالقانون، في جوهره، يرسخ الطائفية والمذهبية في قلب العملية السياسية. الناخب لا يدعى الى اختيار مشروع او برنامج، بل الى تأكيد انتمائه. والمرشح لا يقيم على اساس كفاءته او رؤيته، بل على موقعه داخل توازنات طائفته ومذهبه وحزبه.
الاخطر من ذلك، هو ان القانون يقصي عمليا الاحزاب غير الطائفية التي تجد نفسها خارج اللعبة، او مضطرة للتكيف مع منطقها، مما يفقدها معناها. وهكذا، تتحول الانتخابات الى منافسة داخل الطوائف، وليس بينها على اساس سياسي، وتلغى فكرة الصراع الديموقراطي لصالح تنافس طائفي ومذهبي مقنع. وتكون النتيجة انقسام عمودي حاد في المجتمع، بحيث ان كل طائفة تتحول الى كتلة سياسية قائمة في ذاتها. اما بعد النتائج، فتتكون تحالفات افقية بين زعماء الطوائف، لا تقوم على مشروع وطني جامع، بل على “الاستحواذ الطائفي والمذهبي”، وعلى تقاسم النفوذ والمصالح، لتأمين “الاكثرية” للسلطة الجديدة، مما يخلق فجوة عميقة بين القواعد الشعبية المنقسمة اصلا والنخب السياسية المتوافقة مرحليا. هذا الواقع، ينتج ما يمكن وصفه بـ”التعادل السلبي”. فلا اكثرية قادرة على الحكم، ولا اقلية قادرة على معارضة فعلية. الجميع ممثل طائفيا، ومحصن داخل جماعته، مما يؤدي الى الغاء مفهومي الموالاة والمعارضة. إذا، الانتخابات لا تغير موازين السلطة، بل تعيد تثبيتها، تكرس نموذج “الديموقراطية التوافقية”، فتشكل الحكومات على اساسها، وتدار مؤسسات الدولة بمنطق الطوائف وهواجسها. فتسقط الفعالية في الحكم، وتشل المؤسسات، وتفرغ القرارات من مضمونها، ويصبح الفيتو المتبادل اداة حكم مستدامة.
اما مجلس النواب، فيفقد دوره الرقابي. فكيف يمكن لسلطة تشريعية ان تحاسب حكومة يشارك فيها ابناؤها؟ فتلغى الرقابة الفعالة، ويعاد انتاج السلطة السياسية ذاتها في كل دورة انتخابية، مع تغييرات شكلية لا تمس الجوهر.
صحيح ان قانون الانتخاب الحالي يمنع الانفجار، لكن الاصح انه يمنع ايضا التغيير. يطمئن الطوائف، لكنه يقلق الدولة. واي حديث عن اصلاح سياسي حقيقي يبقى بلا معنى ما لم يبدأ من اعادة النظر في هذا القانون، بوصفه مدخلا إلزاميا لاستعادة السياسة الصحيحة الى موقعها.
في ظل هذا القانون، تلعب الاحزاب الطائفية دور الحارس الفعلي للنظام السياسي. فهي التي تختار المرشحين، وتضبط اللوائح، وتحدد سقوف الخطاب. الناخب يمنح حق الاقتراع، لكن ضمن خيارات محددة سلفا، مرسومة وفق توازنات داخل الطائفة لا وفق تنافس سياسي حر.
في المحصلة، قانون الانتخاب ليس حياديا، هو قلب النظام السياسي واداته الاكثر فاعلية في ادارة الانقسام ومنع التغيير. ينجح في تأمين تمثيل طائفي متوازن، لكنه يفشل في انتاج سياسة، او بناء دولة، او مساءلة.
لا يمكن الخروج من المأزق اللبناني الا بقانون انتخاب يعيد الاعتبار الى المواطنة، ويفصل التمثيل السياسي عن الهوية الطائفية، ويفتح المجال امام معارضة حقيقية وسلطة قابلة للمحاسبة. ما دون ذلك، يعني ادارة مديدة للازمة باسم الديموقراطية.
(مجلة الامن العام عدد شباط ٢٠٢٦)



