مقالات

حين يتحوّل الشعار إلى قدر: إيران في ذكرى انتصار الثورة… حكاية دولة قالت لا

بقلم// خضر رسلان

في كل عام تعود ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران بوصفها لحظة تتجاوز حدود الزمن، فلا تبدو مجرد محطة تاريخية من الماضي، بل تجربة مستمرة تتجدد مع كل مرحلة سياسية تعيشها المنطقة والعالم. لم تكن تلك الثورة مجرد تغيير في شكل الحكم، بل كانت إعلاناً عن مشروع دولة قررت منذ اللحظة الأولى أن تبني مسارها على قاعدة الاستقلال، وأن تقول “لا” في وجه التبعية، وأن تمضي في هذا الخيار مهما كانت التحديات. ومع مرور السنوات، لم يعد الشعار مجرد عبارة سياسية، بل تحول إلى قدر رافق التجربة الإيرانية في مختلف مراحلها، وصار المفتاح الأوضح لفهم مواقفها وثباتها في وجه التحولات.

عندما ارتفع شعار “لا شرقية ولا غربية”، لم يكن مجرد موقف مرتبط بمرحلة دولية معينة، بل كان تعبيراً عن رؤية متكاملة لبناء دولة مستقلة القرار، لا تنتمي إلى محاور القوى الكبرى ولا تخضع لمعادلاتها. ومع مرور الوقت، أصبح هذا الشعار جزءاً من هوية سياسية ثابتة، ومن نهج واضح في إدارة العلاقات الخارجية والداخلية على حد سواء. لقد اختارت إيران منذ البداية طريقاً صعباً، لكنها في المقابل سعت إلى تثبيت استقلالها وبناء قدرتها الذاتية مهما كانت الكلفة، وجعلت من هذا الخيار قاعدة دائمة في صياغة سياساتها.

على امتداد أكثر من أربعة عقود، واجهت إيران ضغوطاً متواصلة وعقوبات متتالية ومحاولات عزل سياسي واقتصادي، لكن هذه التحديات لم تدفعها إلى التراجع عن ثوابتها. بل على العكس، ساهمت في تعزيز فكرة الاعتماد على الذات، وفي دفعها إلى تطوير قدراتها الداخلية في مجالات متعددة، من العلم إلى الصناعة ومن الإدارة إلى الاقتصاد. ومع الزمن، تحول الصمود إلى جزء من الثقافة العامة للدولة، وأصبح الحفاظ على القرار المستقل عنواناً دائماً في سياستها، لا يتغير مع تبدل الظروف أو اشتداد الأزمات.

وفي السنوات الأخيرة، برزت ملامح جديدة من هذه التجربة، حيث واجهت إيران تحديات سياسية وأمنية معقدة وضغوطاً متصاعدة هدفت إلى إرباك استقرارها أو دفعها إلى تغيير مسارها. ومع ذلك، أظهرت إدارة الدولة قدرة واضحة على احتواء الكثير من هذه التحديات، والتعامل معها بهدوء وتماسك، مستفيدة من خبرة طويلة في إدارة الأزمات وتراكم التجارب. وقد انعكس ذلك في قدرتها على حماية استقرارها الداخلي والتعامل مع التهديدات بأسلوب مدروس لا يندفع نحو المواجهة الشاملة، ولا يتراجع في الوقت نفسه عن الثوابت الأساسية.

وفي مواجهة الضغوط الأميركية المتكررة، اختارت إيران سياسة تقوم على التوازن بين الثبات والتعقل. فلم تدخل في صدامات مفتوحة واسعة، لكنها في الوقت نفسه لم تُظهر استعداداً للتخلي عن حقوق تعتبرها جزءاً من سيادتها. وقد ظهر هذا النهج بوضوح في إدارة الملفات الحساسة، حيث جمعت بين الصبر في التفاوض والتمسك بالثوابت، بما يحفظ موقعها ويمنع فرض وقائع جديدة عليها.

وفي ملف المفاوضات، تمسكت إيران بحقها في التخصيب داخل أراضيها باعتباره حقاً علمياً وتقنياً لا يمكن التنازل عنه، وفي الوقت نفسه أكدت أن قدراتها الدفاعية، وفي مقدمتها منظومة الصواريخ، جزء من حقها الطبيعي في حماية أمنها واستقرارها. هذا الموقف عكس إصراراً على أن تبقى عناصر القوة جزءاً من السيادة الوطنية، لا مادة للضغط أو التراجع، وأن يكون الحوار وسيلة لحفظ الحقوق لا للتخلي عنها.

هذا الثبات لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل امتداداً لفكرة راسخة قامت عليها الثورة منذ بدايتها. ويمكن هنا استحضار ما أشار إليه قائد الثورة السيد علي الخامنئي في إحدى خطاباته حين قارن بين مسارات الثورات الكبرى في العالم، كالفرنسية والبلشفية والجزائرية وغيرها، موضحاً أن كثيراً منها غيّر اتجاهه بعد سنوات أو عقود قليلة، وتبدلت شعاراته ومساراته تحت ضغط التحولات السياسية. أما الثورة الإسلامية، فرغم ما واجهته من تحديات وحروب وضغوط، فقد حافظت على خطوطها الأساسية، وأظهرت ما سماه “المرونة البطولية” في الأساليب، لكنها لم تتخلَّ عن جوهرها ولم تغيّر هويتها.
هذه المقارنة لا تأتي من باب المفاضلة التاريخية، بقدر ما تعكس خصوصية تجربة استمرت لأكثر من أربعة عقود دون أن تفقد معناها الأول. فقد تغيرت موازين القوى الدولية، وتبدلت التحالفات، وتعاقبت أجيال وقيادات، لكن الفكرة المركزية بقيت حاضرة: الحفاظ على السيادة، وصون القرار الوطني، وعدم الارتهان للخارج. وهذا الثبات هو ما منح التجربة بعداً يتجاوز السياسة اليومية، ليصبح جزءاً من صورة الدولة وموقعها في الوعي العام.

في ذكرى انتصار الثورة، لا تُستعاد الحكاية كمجرد حدث تاريخي، بل كمسار مستمر بدأ بكلمة واحدة. فالدولة التي قالت “لا” في لحظة مفصلية، وجدت نفسها أمام مسؤولية الحفاظ على معنى هذه الكلمة عبر الزمن، والدفاع عن خياراتها في كل مرحلة. ومع كل تحدٍ جديد، كانت تعيد التأكيد على الفكرة نفسها: أن الاستقلال ليس شعاراً مؤقتاً، بل طريق طويل يتطلب صبراً وثباتاً وإدارة دقيقة، ويحتاج إلى توازن دائم بين القوة والحكمة.

وهكذا، لم يعد الشعار مجرد عبارة تُرفع في المناسبات، بل أصبح هوية متكاملة، ومفتاحاً لفهم كثير من مواقف الدولة وسلوكها السياسي. وبعد أكثر من أربعة عقود، ما زالت التجربة الإيرانية تقدم نفسها كدولة متمسكة بخياراتها الأولى، قادرة على التكيف مع المتغيرات دون أن تفقد ثوابتها. إنها حكاية مسار طويل من المواجهة والبناء والصمود، ومن التمسك بالقرار المستقل في عالم مليء بالضغوط، حيث تحوّل الشعار مع الزمن إلى قدر يرافق التجربة ويحدد ملامحها حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
toto gacor gacor slot bacan4d slot toto bacantoto bacan4d login toto 4d slot toto bacan4d login slot casino bokep viral indo slot gacor