لبنان من حافظ الأسد إلى أحمد الشرع
شارف عام 2025 على إقفال أيامه مراكماً ازمات لبنان على مر تاريخه، منها ما كانت محلية أو متفاعلة مع الخارج، تأييداً او رفضاً او الدعوة الدائمة إلى الحياد.
إيجابيتان تحققتا فيه: إنتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة وانتخابات بلدية واختيارية والباقيات ملفاتٌ ملفات واختلافات فخلافات، إضافة لحدثين بارزين: زيارة البابا لاوُن الـ14 والمفاوضات مع إسرائيل التي لم تنفك عن شنها الغارات تلوَ الغارات على الأراضي اللبنانية و”السلاح صاحي” قولاً و”حصرا”.
أحداث كثيرة فاقمت الوضع والموفدون يكادون لا يغيبون عن بلد يشكل بمساحته التي لا تتعدى الـ10452 كلم2 بوابة دولية مفتوحة على بلاد العرب وفيها إسرائيل التي تحاول، بكل قوتها، قص جزء كبير من الأرزة، إن لم تكُ كلها؛
وأفضل وصف كان لرئيس مجلس الوزراء المرحوم رشيد الصلح الذي استخدم في وصفه له ببعض مجالسه: “لبنان حيّ كبير فيه من كل طائفة عدد يتجاورون السكن والعيش وهذا لغز صعب تفكيكه لشدة تداخله”.
مع مرور الزمن ثبت ما قاله فعلاً، فهذا التمازج شكّل نموذجاً فريداً من شأنه أن يحفظ أهل الشرق الذي أكرمه الله تعالى بالتنزيل، وجعل من الشام أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، ما يعني انها ملتقى الإنسان.
لبنان، كما يراه وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر، الذي عاش مئة وسنتين (102)، توفاه الخالق سبحانه في 29 تشرين الثاني 2023، “فائضاً جغرافياً”، لا تعتبره الولايات المتحدة وطناً وهي تتعامل معه من ضمن ما تشتمل عليه نظرتها إلى منطقة الشرق الأوسط والمقتنعة بـ”أرض الميعاد” لليهود أي “إسرائيل”.
لكن ذلك لا يلغي وجود مفترقات سياسية تحكمها المصالح المتناقضة. الموفد الأميركي (اللبناني الأصل) فيليب حبيب سأل رئيس وزراء اسرائيل مناحيم بيغن سنة 1982، أثناء توسط إدارته في محادثات اتعبت اللبنانيين وانتهت بـ”اتفاق 17 أيار” الذي أدخل لبنان بحرب داخلية عبثية وأُلغِي فيما بعد بانتفاضة “6 شباط” سنة 1984، سأله بعدما لاحظ تصلُّبَه: “مستر بيغن أريد أن اسألك أين تنتهي حدود دولة اسرائيلي؟” أجابه بيغن: “عندما تقول لي اين تنتهي حدود المصالح الأميركية عندها أقول لك أين تنتهي حدود اسرائيل”.
لذا، الحديث عن مفاوضات بين لبنان ودولة إسرائيل متشعب، فهم يتقنون فن المراوغة بدهاء لا يقف عند حد إلى ان يمل المفاوض ويقبل بأي شيء ترفضه، لاحقاً، تل أبيب، وهذا الأسلوب الاسرائيلي مرده إلى ضعف خصمه. فالعدوّ التاريخي مصنوع من النار لا يتراجع إلا أمام مفاوض يتعامل معه بقوة اللهيب كما الله الجليل آمراً: “يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم”.
وفي ذلك تلعب واشنطن دوراً واضحاً باستيعاب الموقف لتمرير ما تريده تل أبيب بأساليب ملتوية اهمها إيفاد مبعوث لبناني الأصل كما حصل، عبر مراحل خلت، أو تعيين سفير من اصل لبناني يتكلم اللغة العربية كي يسهل عليه الحديث مع كبار المسؤولين.
التاريخ الإسرائيلي لا يحفظ، في الصراع مع العرب، أهم مما قالت غولدا مائير بعد حرق المسجد الأقصى في آب/أغسطس 1969: “لم أنم ليلتها وأنا أتخيّل العرب سيدخلون إسرائيل أفواجاً من كُلّ صوب، لكن عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء أدركت أن باستطاعتنا فعل ما نشاء فهذه أُمة نائمة”.
في المحصلة الخارطة داخل البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس تترجمها وزارة الخارجية الأميركية بـ”دبلوماسية المساعدات” وقروض البنك وصندوق النقد الدوليَّيْن والتأثير السياسي من الداخل.
عندما أُلغِي “إتفاق 17 أيار” كان في سوريا حافظ الأسد اليوم أحمد الشرع.
منصور شعبان

