“إنتاج محلي” صفعة تؤكد رسالة المسرح وتصحح الخلل وتعيده إلى رشده! .. بقلم// جهاد أيوب

منذ زمن لم يعد المسرح العربي ذا قيمة إنسانية بأبعاد واقعية رغم زيادة عدد المهرجانات التي غيبته جماهيرياً، وسجنته بعدد قليل من العاملين فيه حتى لا أقول ظلماً “النخبة”، وهذا الواقع أبعد المسرح عن الشغف، وعن صناعة الوعي الفردي وانعكاسه على المجتمع، بالطبع القرار سياسي بامتياز، وبعض المسرحيين شاركوا بضرب المسرح حتى الانتحار، والنتيجة سفر، وطعام، وتنظير، وصور، وجوائز معلبة وجاهزة قبل العرض!
هذه المرة، ومن بيروت عاصمة التجارب وبالأخص في المسرح، حسمت حكاية دور المسرح، وبالبرهان من خلال مسرحية “إنتاج محلي” بطولة يوسف الخال وعمار شلق، ومن تأليف وإخراج مارك قديح، والتي انطلقت على مسرح “الإيليزيه” في بيروت منذ التاسع عشر من تشرين الثاني..والأهم مسرح يحترم العائلة والمجتمع فيمنع دخول من هم دون الثامنة عشر عاماً لجرأة المضمون والطرح والمحتوى والنص…وهذا ما هو نادر اليوم في المسرح العربي!
ليس دور الفن أن يطرح الحلول، وبالتحديد في المسرح، بل طرح القضية وتشريحها، وتقديمها بمعالجة منطقية ووطنية وإنسانية، ومن ثم يترك لك اختيار مكانك ومساحة وجودك واستخدام عقلك..وهذا ما حصل في “إنتاج محلي”!
#العمل
يقع نظرك على غرفة بديكور مدروس تؤكد عبثية الشاب الأعزب، الذي يعيش في العاصمة بيروت مع كل تناقضاتها الاجتماعية، وتصرفات الناس فيها، وبالتحديد استباحة حريتها من قبل مسيرات العدو الإسرائيلي دون أي رادع..ديكور فقير لكنه واضح النطق، وهنا يظهر أننا أمام المسرح الفقير الذي يتعمد مخاطبة العقول وليس البصر على حساب الفكر، علماً الديكور جميل ومدروس من كل زوايا الحالة والفكرة والخشبة بأقل تكلفة، وهذا يكفي!
تتألف المسرحية من فصل واحد بمشهد يتيم فيه لعبة المسرح بكل فصوله، ويقدم العبر والتاريخ وتشتت الإنسان وانتفاضته على حاله والحال الذي وصلنا إليه.
تحكي المسرحية عن جيري “يوسف الخال”، فنان موهوب كمخرج وكمنتج أصيب بالقرف واليأس من صناعة الكذبة، وتزوير الواقع، والحقيقة تدور من حوله دون أن يقدر على تقديمها في فنه، فقرر المراقبة والانزواء في غرفته التي تشبهه، يراقب ويخطط لاغتيال نفسه كثورة رافضة للواقع وتقديم الفن المُعلب، وقرر السقوط في عالم الخمر والمخدرات دون أن يزعج غيره!
وبذكاء يدخل طرف جديد على خط المشهدية، وهو المنتج “الناعم” سامر صديق جيري ” عمار شلق”، جاء ليقنع جيري بقبول عروض منصات الإنتاج والعرض خاصة “شاهد” و”نتفليكس”، إغراءات مالية خيالية تقدم، لكنها تتحكم بكل مفاصل فكرتك وعملك، وتفرض شروطها (وهذا ما يحصل)، وتحجم دورك ورؤيتك، وأنت تصبح مجرد ماكينة تنفذ ما يطلب منك…وهنا عمق الفكرة والمسرحية.. وهنا مقتل الإبداع رغم جمالية الصورة وتقنية التنفيذ وغياب المحتوى..!
العمل أدخلنا بهدوء ملعب كرة قدم الواقع، مساحة واسعة لا نهاية لها في طرح أحوالنا وحالنا وعالمنا وعالم الفرد فينا، نص يسبح في أعماق حياتنا وبتفاصيل دقيقة من أيام العيش اللبناني والعربي، وبمفردات واقعية للفرد الفنان وكلامه وصوره!
#الرؤية
“إنتاج محلي”…أنت أمام صفعة لتعيدك إلى رشدك، ولتصحح دورك ودور المسرح كرسالة وليس كعملية الهاء لحشو وقتك ومن ثم تتربع على الفراغ، وذلك من خلال كوميديا سوداء، ساخرة وضاحكة تتناول قضايا حساسة، وإبرازها في مواضيع ثقيلة كالوطن والحرية والإبداع والرأي والاستقلال والاستحمار والاستثمار بكي العقول الرافضة لتزوير حياتنا، ولتمرير سياسات شريرة، واستغلال الفكر لصالح السطحية والجريمة المعاصرة في أن تكون من خلال الأكل والنكاح، ومن ثم تغرقك بالتفاهات عبر الإعلام والفن والموت العجيب بعد أن غيب دور المثقف العربي!
هذا ما طرحته مسرحية “إنتاج محلي” بجرأة دون السقوط بالمباشر، ورغم استخدام كلمات مباشرة ونابية احياناً لكنها في مكانها الصح، ولم تزعج أو تصيبنا بإشمئزاز كما حال المسرح السياحي حينما يسعى لاستقطاب المراهقين…هنا الكلمة مدروسة رغم قساوتها، وحوار العمل تشعر بوجودك في جمله رغم النص الصعب…مما أوجد استفزاز العقل لمصلحة المتلقي المشاهد حتى يعيد برمجة وجوده الإنساني..!
أخطر ما في مسرحية “إنتاج محلي” إبراز تناقضات الواقع والشخص بكل ما يعانيه من عقد وطنية وطائفية وإنسانية وفكرية، والسخرية التي تم معالجة الحقيقة فيها كانت مقصودة بجرحها، ولاذعة تصفع نقاط سياسية وثقافية واجتماعية…باختصار ما قدمته مسرحية “إنتاج محلي” من مواضيع قد تكون، لا بل هي محظورة في إعلامنا رغم مناقشتها وقولها في غرفنا وصالوناتنا المغلقة…هنا الحقيقة متجلية!
#النجوم
– النص من نجوم العمل، من أصعب النصوص المسرحية، ومن الصعوبة حفظه، ولكن النجوم سهلوا حفظه ونطقه من خلال العيش فيه، فالنص يعالج واقع كل لبناني وعربي، ولا انفصامات بطرحه، لذلك النص من أبطال العمل، ويستحق التنويه، وهو شريك في النجاح.
– المخرج مارك قديح فهم دوره كمترجم لمشاعر الخشبة، استوعب تفاصيل نصه ومفرداته، واعتمد على تقنيات الممثلين العالية، واعطاهم مساحة كي يلعبوا فيها ضمن خطوط النص، والنص لا يحتمل الارتجال، بل يحتاج إلى خبرة الممثلين، وكيفية استخدام تقنياتهم مع مخرج استغل العمل كسنوغرافيا مدروسة كل ما فيها أساسيات المسرح، والمسرح عند مارك سينوغرافيا العمق البصري والمسرحي!
عاب العمل اخراجياً استخدام الإضاءة المسطحة طيلة العرض الاحداث ورواية الوجع…هنالك “عنة ضوئية” كان بالإمكان تلافيها في مشهد جلوس جيري وسامر على أرض المربع، والحديث عن شجونهما…هنا الاضاءة يجب أن تصب على زاويتهما فقط خارج التسطيح!
تحسب لمارك هذه العودة الحرة والجريئة، والأهم فهمه لطبيعة خبرة نجومية الممثلين دون أن يشوه حضورهم…يكفيه ساعة وربع لمشهد واحد لم نصاب بالملل والانزعاج!
– عمار شلق، نجم من طراز التفوق، واحترام نجوميته وموهبته وعالمه، قدم دور الصديق ” الناعم” الفاقد لبعض رجولته بتقنية عالية، لا رخص ولا تهكم ولا تنمر، تفوق على كل من يجسد تلك الشخصية، اضاف إليها إيمائياته بذكاء، ورغم صعوبة ذلك والشخصية لم يفلت منه الدور ولا حركات اصابعه وتلميحاته، وتعابير وجهه ورشاقة جسده، ولم نشعر بخسارة الشخصية أبداً… عمار فنان من قماشة الأساتذة الكبار، هو هنا حالة تجسيدية وجب التعلم منها، ويستحق جائزة على جرأة تنفيذها بهذه العفوية والتقنية المدروسة والمقصودة!
عمار شلق من نجوم قلة في العالم العربي يشد انتباهك لدراسته لكل الشخوص بتمعن ودراية ومسؤولية، وهو اليوم الأمين على قيمة التمثيل، يساعده في بصمته صوته الملفت والمتميز، وفي “إنتاج محلي” جعل من استخدام صوته شريكاً لحركة جسده حسب طبيعة الحالة والمشهد، وتيرة ساخرة ومنتفضة وخائفة وصارخة وهامسة دون أن يشوه الدور ودون استعراضات فارغة…عمار شلق نجم نجوم الفن المسؤول، هو طاووس الفن!
– يوسف الخال حكاية واقعية لفنان نجم يحترم دوره اتفقت مع افكاره أو لم تتفق، لكنه يعمل من أجل الإنسان الوطن النظيف، وهذه مشكلتكم مع النظافة وليست مشكلته!
في مسرحية “إنتاج محلي ” يوسف الخال ليس مفاجأة أن نجده في قمة الحال الأدائي، وهو إبن القصيدة والأدب والرسم والتربية والموهبة والوطن، في هذه المسرحية والدور قدم صرخة تنسجم مع الحقيقة التي يعرفها، حضور ثاقب بعفوية الخبير، جمال الحركة بتقنية الشاب الموهوب الرشيق، ورفيق الجمهور دون أن يزعجه بمسؤولية دوره وجذوره!
لعب دور المنتج والمخرج بطريقة ذكية وعفوية، ذكية من خلال نطق المفردات والنص الصعب خارج الارتجال، ولم يفلت منه الدور والنص حيث اشعرنا بأنه هو النص والحوار، والنص هو من يمثل على المسرح!
وعفوية يوسف بتقديم الحالة خارج التصنع، وضمن الحدوثة لا بل في عمق الخبرية، وهذا لا يعرفه إلا الفنان المقتدر…
يوسف الخال أكد في هذا العمل نجومية مطلقة، وحضوره أكثر من “معلم”، وأضاف ما غناه، وما لحنه كتحية خاصة للكبير المبدع الراحل زياد الرحباني الاحترام والتقدير، فنان يعترف قيمة الفنان…موسيقى يوسف وجدانية متصالحة مع روح زياد وعفوية يوسف…
يوسف الخال مشروع فنان لكل الفصول، وهو كذلك، ونجم يستحق لقبه، ومسؤول يعرف قيمة دوره، هو قلب الفن وليس على ضفافه، يوسف نهر يجري بنظافة الموهبة والفكر..وهنا كان كالطائر الذي يريد البوح حتى يعلن البيان الأول!
— عمار شلق ذاك المعلم المتواضع في فن النجوم، ويوسف الخال ذاك القاطف لنجوم النجوم ومحراب الهدف مع مارك قديح أسسوا حالة فنية عالية الجودة والحضور إسمها مسرحية “إنتاج محلي” تستحق المناقشة والحوار…أدعوهم إلى جلسة مفتوحة لمناقشة العمل، وإلى تشكيل دائم لهذا الثالوث المسرحي..المسرح أهم وأخطر من كل الفنون الدرامية ومن الأدب المكتوب!



