ماذا لو استقال سلام؟!/ بقلم علي قصاب

في السياسة، كما في قواعد الصراع، لا يبقى الفراغ طويلاً. أي مساحة تُترك بلا صاحب تتحوّل بسرعة إلى ميدان يتسابق إليه الطامحون. هكذا وجد نواف سلام نفسه بعد دخوله السراي الكبير محمولاً على دعم دولي – أميركي بالدرجة الأولى – في مواجهة فراغ أخطر من كل الضغوط: فراغ الهيبة.
سلام لم يتمكّن من ترجمة “التفويض الخارجي” إلى سلطة داخلية. حادثة إضاءة صخرة الروشة لم تكن مجرد خطوة رمزية، بل لحظة كشفت التعثر. فعندما طلب من القوى الأمنية ملاحقة الفاعلين، ظهر القرار بلا وزن، خصوصًا أن المخالفة جرت تحت أنظار الجيش والأجهزة. وفي منطق السلطة، القرار الذي لا يُنفّذ يهدم صاحبه قبل غيره. منذ تلك اللحظة، بدأ الطامحون السنّة يتقدّمون بثقة أكبر.
في الطليعة يبرز النائب فؤاد مخزومي، رجل الأعمال الذي ينسج شبكات خدمات ولقاءات في بيروت. يمتلك المال، الحضور، والقدرة على استقطاب شرائح مختلفة، لكن مشكلته الكبرى ليست في الشارع بل في خصوم الداخل الذين يحاولون محاصرته خشية أن يتحوّل إلى بديل جدي.
ومن طرابلس يطل نجيب ميقاتي كلاعب قديم-جديد. خبرته في دهاليز الحكم وصلاته الخارجية تجعله حاضرًا كخيار عند الحاجة، لكنه يعرف أن العودة لن تكون مجانية، وأن عليه دفع أثمان سياسية باهظة ليستعيد موقعه.
أما أسم فيصل كرامي،فهو حاضر دائما وإن كان هناك من يرى انه خسر بعضا من رصيده السياسي بانتقاله من محور إلى آخر وهذا ما ينفيه لكنه باقٍ في المشهد الحكومي وسبق أن فاتحه الرئيس ميشال عون في الموضوع.
يبقى تمام سلام، الحاضر الغائب. رجل توافقي بطبيعته، لا يثير الخصومة، لكنه يفتقر إلى الزخم الشعبي الكافي. يُستدعى اسمه عادة كخيار احتياطي إذا وصلت الأزمة إلى طريق مسدود.
أما سعد الحريري، فبرغم إعلانه اعتزال السياسة، يبدو أن الآخرين لا يسمحون له بالغياب الكامل. حادثة إضاءة صخرة الروشة لم تكن بريئة، إذ لم تُضأ باسم “القضية” فقط، بل أُرفقت بصور الحريري، وكأنها رسالة مباشرة من الحزب بأن الرجل ما زال الرقم الأصعب في المرحلة المقبلة. في ميزان القوة، لم يكن المشهد مجرد إضاءة بل استدعاء رمزي: الحريري، رغم ابتعاده، ما زال في نظر خصومه وحلفائه (أمل، حزب الله، الإشتراكي، والتيار الوطني) المرشّح الأكثر قدرة على إعادة الإمساك بالواقع السني!
في المقابل، يبدو نواف سلام في موقع هش. غياب أدوات التنفيذ وفقدان الغطاء الداخلي حوّلاه إلى واجهة لقرارات لا تُنفّذ. وكما يُقال: السلطة ليست في الكرسي، بل في القدرة على جعل الآخرين يطيعون. هنا تكمن مأزق سلام، وهنا أيضًا يتكاثر الطامحون لملء الفراغ.



