اخبار لبنانبةالانتشار اللبنانيالموقف السياسيسليدر خاص

أخطر مفاوضات في تاريخ لبنان تبدأ بلا قرار.. نعيم قاسم يحدد السقف!

بقلم علي قصاب

عشية المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المرتقبة، لا يبدو أن السؤال الحقيقي يدور حول ما يمكن أن تحققه هذه الجولة، بل حول طبيعتها أصلاً: هل نحن أمام مفاوضات سيادية بين دولتين، أم أمام مشهد سياسي تُستخدم فيه الدولة كواجهة، فيما القرار الفعلي يُصاغ خارجها؟

في هذا التوقيت بالذات، جاء خطاب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، حاسماً في نبرته ومضمونه، ليُعيد تثبيت معادلة باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: الميدان يسبق السياسة، وقرار المواجهة لا يُصنع داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.

مفاوضات بلا تفويض فعلي

في الأنظمة الطبيعية، تدخل الحكومات إلى طاولات التفاوض وهي تحمل تفويضاً واضحاً: قرار الحرب والسلم، وضبط السلاح، وتوحيد المرجعية. أما في الحالة اللبنانية، فالمشهد معكوس تماماً.

الحكومة التي يُفترض أن تفاوض غداً:

– لا تملك قرار الحرب
– لا تملك قرار السلم
– لا تملك سلطة سحب سلاح «حزب الله»
– ولا القدرة السياسية على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية بمعزل عنه

ومع ذلك، ستجلس إلى الطاولة.
وهنا تكمن الإشكالية: عن من تفاوض، وبأي صلاحية؟

هذا التناقض لا يُضعف فقط الموقف التفاوضي، بل يُفرغه من مضمونه، ويحوّل العملية برمتها إلى فعل شكلي، أقرب إلى إدارة أزمة منه إلى حلّها.

خطاب قاسم: رسم حدود الطاولة مسبقاً

لم يكن خطاب نعيم قاسم مجرد موقف سياسي عابر، بل جاء كإطار ناظم للمشهد كله. فالدعوة إلى إلغاء المفاوضات عشية انعقادها لا يمكن قراءتها إلا كرسالة متعددة الاتجاهات:

– إلى الخارج: لا تسوية دون تغيير موازين القوى
– إلى الداخل: قرار التفاوض ليس بيد الدولة وحدها
– إلى المفاوض اللبناني: سقفك محدد مسبقاً

بهذا المعنى، لم يعترض الخطاب على مضمون المفاوضات فحسب، بل على توقيتها وشرعيتها، واضعاً إياها تحت شرط أساسي: الميدان أولاً، ثم السياسة.

من يفاوض فعلياً؟

التجربة اللبنانية في السنوات الأخيرة أظهرت معادلة غير معلنة: الدولة تفاوض، لكن ضمن سقف ترسمه قوى الأمر الواقع. غير أن التطور الحالي يتجاوز هذا الإطار.

اليوم، لا يقتصر الأمر على رسم السقف، بل يصل إلى حد:

– تحديد توقيت التفاوض
– قبول أو رفض انعقاده
– وربط نتائجه مباشرة بمسار المواجهة العسكرية

وهنا تتحول الدولة من لاعب إلى وسيط داخلي، أو إلى قناة تواصل، أكثر منها طرفاً سيادياً مستقلاً.

المفاوضات كأداة ضغط داخلي

في القراءة التقليدية، تُفهم هذه المفاوضات كجزء من ضغط دولي لاحتواء التصعيد مع إسرائيل. لكن الوقائع اللبنانية تشير إلى مسار موازٍ أكثر تعقيداً.

المفاوضات، في هذا السياق، لا تخفف التوتر الداخلي، بل قد تزيده:

– تكشف محدودية الدولة أمام الرأي العام
– تعمّق الانقسام بين دعاة التهدئة وأنصار التصعيد
– تنقل مركز الصراع من الحدود إلى الداخل

بمعنى آخر، تصبح المفاوضات عاملاً لتفجير التناقضات الداخلية، أكثر منها أداة لحل النزاع الخارجي.

دروس التجارب السابقة

في ملف ترسيم الحدود البحرية، نجح لبنان في الوصول إلى اتفاق، لكن ذلك لم يكن نتيجة مسار تفاوضي تقليدي. بل جاء نتيجة تلاقٍ مؤقت بين:

– إرادة دولية ضاغطة
– حسابات ميدانية دقيقة
– وتفاهم ضمني بين الدولة و«حزب الله»

أما اليوم، فالمعادلة مختلفة. الهوة بين المسارين السياسي والعسكري تبدو أوسع، والتباين في الأولويات أكثر وضوحاً:

– الدولة تبحث عن تهدئة لتخفيف الانهيار
– الحزب يستثمر في التصعيد ضمن حسابات إقليمية

وهذا ما يجعل أي تفاوض مرتقب هشّاً بطبيعته، وقابلاً للتعطيل في أي لحظة.

عن الكاتب: علي قصاب

صحافي ومستشار الندوة الاقتصادية.
مدير تحرير موقع الإنتشار.

متخصص في التحليل السياسي والاقتصادي، يركز في كتاباته على تقديم الخبر بسياقه التحليلي وفهم أبعاد القضايا الراهنة بمهنية وموضوعية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى