الرؤية السياسية للرويّة..!

كتب الوزير السابق محمد المشنوق على صفحته- “فيسبوك“:
بعد جلسة مجلس الوزراء وغياب وزراء الثنائي الشيعي عن الاستماع لخطة حصر السلاح التي قدمها قائد الجيش سمعنا من احد الوزراء المنسحبين رداً على سؤال ان الوضع يحتاج إلى رويّة في المعالجة. كما سمعنا من وزير الاعلام ان الحكومة مهتمة بالاستراتيجية الدفاعية اعتماداً على حصر الدفاع بالجيش اللبناني. وقال في هذآ الصدد: “الجيش سيباشر بتنفيذ خطة حصرية السلاح لكن وفق الإمكانات المتاحة لوجستياً ومادياً وبشرياً، والحكومة تلتزم إعداد استراتيجية أمن وطني، وذلك في سياق تحقيق مبدأ بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها”.
واضاف وزير الاعلام ان مجلس الوزراء رحب بالخطة وأبقاها سرية ومرتبطة بتقرير شهري من قائد الجيش عن مراحل التنفيذ مما يعني الحاجة إلى مدة اطول للوصول إلى الهدف.
وهكذا وفي خضم الأزمات السياسية والأمنية التي يعيشها لبنان، برزت تصريحات بعبارات منسّقة وخالية من التحدي من الرئيس جوزف عون، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، ووزير التنمية الإدارية، فادي مكّي، تتعلق بتطبيق قرار مجلس الوزراء بشأن تسليم أسلحة حزب الله إلى الجيش اللبناني. وبرز في هذه التصريحات ما يُسمى بـ “الرويّة” في التنفيذ، مما أثار الكثير من الأسئلة حول معنَى هذا المصطلح وأبعاده الزمنية.
إن عبارة “الرويّة” مكرّرة في خطابات المسؤولين اللبنانيين، مرورًا بموقف الرئيس عون الذي أشار إلى ضرورة الالتزام بالتطبيق الحذر للقرار 1701، وصولًا إلى الوزير مكّي الذي تحدث عن أهمية استكمال المناقشات “برويّة ومسؤولية”. لكن يبقى السؤال: هل تعني “الرويّة” فعلًا التفكير المتأني في الأمور، أم أنها مجرد وسيلة للتأجيل والتهرب من وضع جدول زمني واضح لتسليم الأسلحة؟
تحت ظلال هذه الكلمات، يمكن أن نرى أن “الرويّة” قد تعني التمعّن في النتائج السياسية والاجتماعية، لكن في الوجه الآخر، قد تتجسد في رغبة خفيّة لتفادي الضغط الشعبي والدولي، مما يؤدي إلى بقاء الوضع الأمني كما هو، دون أي تقدم حقيقي. إذ أن استمرار هذا التأجيل في تحديد مواعيد تسليم الأسلحة قد يوحي بأن هناك عدم جدية في نزع سلاح الجماعات المسلحة.
إن دعوة الرئيس نواف سلام للاحتكام إلى “التزامات الحكومة السابقة” وقرارات مجلس الأمن الدولي هي محاولة لإعادة الثقة في السياسات الأمنية، ولكن هل يمكن لهذه التصريحات أن تُترجم إلى خطوات فعلية؟ بينما نحن نسمع عن “نزع سلاح الجماعات المسلحة” وتحديد “الحاملة الحصرية للسلاح” في لبنان، تظل هناك فجوة كبيرة بين القول والفعل.
المشكلة تكمن في أن هذه التوجهات المترويّة تفتقد إلى أجندة زمنية واضحة. تصريحات المسؤولين عن أهمية عدم الاستعجال تعكس حالة من الاستسلام لواقع السلاح غير الشرعي الموجود في البلاد، وكأننا نعيش في دوامة من الكلمات المعسولة، بينما ما زالت الأسلحة تطوف في الشوارع كأنها نسائم للذكريات القديمة.
في بعض التصريحات، يبدو أن هناك محاولة لإبراز التعاون بين مختلف المؤسسات الحكومية، لكن في ظل التحديات المستمرة، يجب أن يكون هذا التعاون قائمًا على مبادئ الجدية والفعل السريع. إن الإشارة إلى العلاقات الأخوية وضرورة التروّي في هذه الظروف قد تحوّل في بعض الأحيان إلى فرص لتخدير الأوضاع بدلاً من معالجة المشكلات الفعلية.
إن تجمع هذه التصريحات حول “الرويّة” ونزع سلاح الجماعات المسلحة في لبنان يشير إلى حالة من الغموض وعدم اليقين. فبينما تُستعمل الكلمات لتعزيز الأمل، يبقى الواقع الملموس بعيدًا. إن الحاجة الملحة اليوم إلى جدول زمني محدد لتسليم الأسلحة يجب أن تُسجّل كأولوية في أجندة لبنان، حيث أن الأزمات الأمنية والسياسية تتطلب قرارات حاسمة، وليس مجرد غموض في العبارات وأخذ الوقت او الرويّة في التفكير.
دعونا نأمل أن تتحرك الأمور نحو التنفيذ الفعلي، لأنه بالنظر إلى ما يحدث في البلد، قد نحتاج إلى الكثير من “الرويّة” لنصل إلى نقطة الصفر.



