مقالات

أن تعرف أكثر عن مقابلة فخامة الرئيس على العربية.. شكراً دكتور هراتش

بقلم// مريم البسام

خلف منحوتة ربما هي للمبدع اللبناني بيار كرم، تجري أحداث هذه المقابلة في قصر بعبدا، وربما استوحى كرم منحوتته أيضاً من الفرنسي أوغوست رودان الذي تُعد أعماله أمثلة للأنواع الانطباعية في النحت, وله أبرز منحوتتين: “أبواب جهنم “و”أنا جميلة”.

لست أدري ما إذا كان الرئيس السابق ميشال عون قد راودته جهنم من الفرنسي رودان، لكن الأكيد أن اللبناني كرم بلوحته “الحياة ثلاثية الأبعاد” يقول لنا إنها ممكن أن تصبح ذات بُعد واحد.
هل نصل إلى نقطة واحدة على مسار كرم؟ أم تُفتح علينا أبواب جهنم وفق مسارات الفرنسي رودان وتسقط “الجميلة”؟

في أحداث سقوط مماثلة، وفي 14 تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2017، ظهر رئيس الحكومة سعد الحريري في مقابلة مدبرة من الرياض مع الجميلة العزيزة بولا يعقوبيان، وبدا أسير الإقامة والأجوبة معًا.
عُدّت المقابلة في حينه أنها جرت تحت الإكراه وطُبّقت مفاعيلها في كانون الثاني من العام 2022 بإعلان الحريري تعليق العمل السياسي لأنه “لا فرصة للبنان في ظل النفوذ الإيراني والتخبط الدولي، والانقسام الوطني، واستعار الطائفية، واهتراء الدولة”.
بعد ثلاث سنوات، ظهر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في مقابلة على قناة العربية، “الراعي الرسمي لإعلان استقالة الحريري الشهيرة في 4 نوفمبر 2017”.
في الشكل ، وأثناء بث مقابلة فخامة الرئيس، كانت تصلنا عواجل إخبارية عبر الهواتف تعلن عن وصول المبعوث الأميركي “سفير الورقة” توم براك، وفي صبيحة اليوم التالي حطّت الجميلة والوحش في قصر بعبدا لبدء العد التنازلي لتنفيذ مفاعيل الورقة الأميركية.
إذا ً في المقابلة: العربية من أمامكم بما تمثل، وبرّاك وأورتاغوس من ورائكم، فمن أين المفر؟
لا أنتمي إلى سلالة من ينتقدون إسناد مهمة إجراء اللقاء إلى إعلامية كانت تنادي أفخاي أدرعي بالاستاذ، هي حرة، فالمقابلة يُحاكم عليها من خلال طرح الأسئلة ومدى التزام الإعلامي/ة في المواجهة الصحافية واختيار أسئلة على قدر تطلعات الرأي العام إلى الأجوبة.
افتتحت الإعلامية ليال الاختيار اللقاء بسؤال عن علي لاريجاني، فحسمت أن “الجميع.. الجميع” اعتبرها تمس بسيادة لبنان. فماذا قلتم لعلي لاريجاني؟
طيب، ما الرجل الرئيس “قال وخلص” وأبلغ الإيراني أنه يرفض التدخل بسيادة لبنان وعمّت الفرحة في حينه أرجاء المنطقة، ماذا سيقول بعد؟ أم أن العربية تريد دمغة موثقة على أقواله لتعلن افتتاح المقابلة؟

ولا تستكين المذيعة الحبّابة، والصادر بحقها عفو رئاسي، عمّا سبق، بتنسيق لأحد مستشاري القصر، فتقول جازمة: “من المعلوم أن هذا السلاح يقع ضمن العقيدة الإيرانية ولن يُسمح بنزعه” و”هناك فتوى إيرانية بعدم تسليم السلاح”.
وبهذا الجزم، فإن الصبية اللمّاحة نزعت عن لبنان كل ما سبق من تضحيات ودماء شهداء ومقاومة لعدو محتل، وأدرجته فقط ضمن خانة العقيدة الإيرانية.
لا دور لنا كلبنانيين وجنوبيين وضحايا لاحتلال عمره من عمر نشأة هذا الكيان، واشتد ساعده عندما اجتاحت إسرائيل بيروت عام 1982، ولم يكن في حينه قد صُنعت أية عقائد سوى تلك العقيدة الوطنية.

وفي المضمون السياسي لمواقف الرئيس، فإنه أدلى بالشيء ونقيضه، لا سيما عندما أكد رداً على السؤال أن سلاح المقاومة “هذا شأن داخلي، المؤسسات الدستورية هي المعنية بمعالجة هذا الموضوع”.
جيد، إذا كان السلاح شأن داخلي، لماذا نُضطر إلى “لَبننة” ورقة أميركية مكتوبة بالحبر الإسرائيلي غير السري؟ وماذا نلبنن بها؟ وهل لنا مونة على تطريزها بشنكليش لبناني مصنوع في أفخم مصانع بعلبك وموزع بين هياكل جوبتير ومعابد باخوس؟
نلبنن؟ نحن؟ كيف؟ وهل صمدنا جلسة واحدة للتوافق؟ لقد انسحب وزراء الثنائي من جلسة الحكومة لأنكم استعجلتم الإقرار، مع أن الورقة تؤكد في ذيل صفحتها أن تطبيقها نافذ من 1 آب، أي أنها أصبحت نافذة قبل اجتماعكم في جلسة الخامس من آب.

وتناقضًا، قال فخامته: “أنا كرئيس دولة عندي خيار من اثنين: يا إما أوافق على الورقة وأقول للعالم أنا عملت واجباتي، تفضلوا اعملوا واجباتكم، وجيبوا موافقة إسرائيل ويتم بالتالي وقف العمليات، أو ما بوافق على الورقة، وساعتها إسرائيل رح تاخد مجدها باعتداءاتها، ويمكن بدعم من المجتمع الدولي ولبنان رح يصير معزولًا اقتصاديًا وما حدا منا رح يقدر يرد. واللي موهوم أنو في حدا رح يجي يساعدنا ويقاتل عنا، ما حدا رح يجي يساعدنا ويقاتل عنا. فإذًا عنا خيار من 2، هلق إذا حدا عنده خيار ثالث بيقدر يؤدي إلى تنفيذ انسحاب إسرائيل وتحرير الأسرى والحدود، وانعاش الاقتصاد، يتفضل أهلا وسهلا. أنا بقعدو محلي وبقلّو اعطيني أي خيار بدك إياه، ولكن الموضوع حساس ودقيق، ما عنا خيارات بقى أخرى، يا أبيض يا أسود”.
ولكأني أسمع في خلفية الجواب صوت لطيفة يزّعق مترجمًا إلى الأميركية: “كده كده حتراضيني وتكسب ودّادي، لكن بالملاوعة حتخسر فؤادي”.
وعلى نقيض ذلك، تسأله المذيعة: هل فعلا تلقيتم تهديدًا إسرائيليًا عبر الأميركي إذا لم يتم إقرار هذه الورقة؟
يجيب الرئيس بحزم الواثقين: لم نتلق أي تهديد، وحتى من الأميركيين لم يهددوا، وكل ما قالوه: بتمشوا بالورقة أهلا وسهلا، ما بتمشوا بيبطّل لبنان بدائرة اهتماماتنا. يا إما ما نمشي بالورقة، ورح يصير الوضع ع أسوأ من هيك.

بتفسير “علم الأحياء” لهذا الكلام: أنه لم يصلنا تهديد، فلماذا نهوّل على اللبنانيين بالأبيض والأسود وملحمة “بحبك بغرامك” بدل اختيار طريق التفاهم مع الجهة المعنية ؟ ولاسيما أن الرئيس نفسه قال في المقابلة ذاتها: “ما بتصوّر في حدا بالدولة اللبنانية عنده مشكلة مع حصر السلاح”.
وتتوالى الأسئلة المرتكزة إلى جهل عميق في نسيج المكوّن الشيعي بطرفيه وحتى بالمكوّن الثالث غير المرتبط بأحزاب، لكأنْ تسأل المذيعة: هل الرئيس بري بالموقف أقرب لكم من حزب الله؟ هناك مزايدات على موقف الرئاسة، هذه المزايدات نابعة من ماذا؟ من خوف على مصلحة الوطن أم من حسابات داخلية قبل الانتخابات النيابية؟ وترمي بسؤال عن كيفية تطمين الطائفة الشيعية لأنها متخوفة من إخراجها من المشهد.
يجب الرئيس مشكورًا أن “الطائفة الشيعية موجودة، ما حدا يشيلها من مطرح ما هي، لكن للأسف البعض، لأهداف سياسية خاصة، أهداف انتخابية، بيجرب يخوّف اللبناني من الآخر. وهيدي مشكلتنا بلبنان، في طرف بيخوّف جماعتو من الطرف الآخر لأهداف خاصة، وللأسف نحنا هلق بمرحلة انتخابية”.
وبذلك وضع الرئيس احتجاج الطائفة الشيعية في خانة الحسابات الانتخابية دون تحسس هواجسها من اتفاق وورقة حتى إسرائيل لم تعطِ موافقتها عليها بعد، والموفد الأميركي توم براك مع السنيورة مورغان أورتاغوس اعلنا اليوم اننا ننتظر موافقة إسرائيل .

أسئلة كثيرة في ثلاث وثلاثين دقيقة منزوعة مقومات الصحافة المبنية على معلومات دقيقة، كجزم المذيعة أن “سوريا بعد الحرب استطاعت أن تكون نقطة جذب للاستثمارات العربية”، فيما لو سألت مشرعاً اميركيا ً واحداً لكانت اكتشفت ان قانون قيصر يتم تجديدة في الكونغرس وان أي مستثمر لا يمكنه تحويل دولار واحد إلى المصرف المركزي السوري.

والأكثر تجليًا في الأسئلة كان عن دور المملكة العربية السعودية، الذي تحول إلى التهاب متكرر بين سؤال وسؤال، ومع كل جواب كان فخامة الرئيس يقدم الشكر والثناء لدور المملكة، ثم تصعقه المذيعة بماس كهربائي آخر عن سمو ولي العهد، وتجزم في حوارها بأن “المنطقة اختارت السلام وذهبت نحو السلام بمواجهة كل الحروب، هل ممكن أن يذهب لبنان إلى السلام؟”

من أرشدكِ إلى هذه القناعة؟ وأي دول هي تلك التي اختارت السلام فيما السعودية نفسها لا تزال رافضة التطبيع قبل تأسيسها لحل الدولتين؟

كان الرئيس يحتار هنا من أين يأتي بالعبارات ليسدّد معاني الشكر للمملكة، في استحضار شبيه بشكر الدكتور هراتش أثناء تكريم أيقونات الزمن الجميل.
وعندما لا يتمكن من صنع المعجزات، تعاجله المذيعة بسؤال: “المملكة حاولت جاهدة وما زالت حتى الساعة أن تلعب دورًا محوريًا بتثبيت دور الدولة اللبنانية المركزي وإعادة الاستقرار إلى الداخل اللبناني، كيف ترون هذا الدور؟”

فيجيب بكامل إرادته الرئاسية وإدراكه ووعيه السياسي
: “كمان مرة مشكورة المملكة، لأنه بداية كانت، وبعدها عضو باللجنة الخماسية التي أنهت الفراغ الرئاسي الذي دام سنتين وشوي، وأكيد عم تلعب دورًا بنّاء بمساعدة لبنان بكافة المجالات، والاتصالات دايمة نحن وياهن، فنحن بنعول كثير على دور المملكة في انعاش الوضع بلبنان، ونشكر أكيد مرة ثانية، ومرة ثالثة، ومرة رابعة سمو الأمير ولي العهد على كل اهتمامه بلبنان وبالمنطقة.”

ثم تباغته ليال بالقول: “وهنا كنت سأَسألك ماذا تقول لسمو العهد الأمير محمد بن سلمان؟”
يجيب: “بدي قله علاقة لبنان بالمملكة تعود إلى الملك المؤسس، ما في حدا يفرط فيها.”

وقد يكون الرئيس قصّر هنا ولم يشكر تركي آل الشيخ “أبو ناصر” على نشره إمبراطورية الترفيه ومهرجانات مسرح أرينا التي يجني منها الفنانون اللبنانيون “هبوصة محرزة” لا تستفيد منها الخزينة.

ولا تستقيم المقابلة إذا ما عدنا كما افتتحنا، إذ تقول المذيعة: “بالعودة إلى الموضوع الإيراني، بما أنو كل المنطقة اليوم تنتقد الموقف اللبناني بالتهاون مع التدخل الإيراني بسيادته وشؤونه…”

كل المنطقة؟ كيف أحصيتِ ذلك؟ لا يهم، لكنها تصل إلى النقطة الأبرز وتسأل: “إذا ما بقيت التصريحات الإيرانية من أن لبنان ساحة لن نتخلى عنها، هل ستذهبون نحو خطوات عملية؟ تصعيد، قطع علاقات، شكاوى بالمحاكم الدولية؟”

بابتسامة، يكرر الرئيس أقواله ويضيف: “كل شي
مطروح، وإن شاء الله ما نوصل لهون”.

إن رؤية الاختيار للبنان بلا تدخل إيراني تتجلى في صباح اليوم التالي باستقبال رئيس الجمهورية لطائري الحمام الأميركيين.
عصفوران لا هدف لهما سوى وضع لبنان على لوحة ثلاثية الأبعاد تحطم ثلاثية جيش، شعب، مقاومة، وتضع المؤسسة العسكرية في مرحلة التأهب لتنفيذ الورقة الأميركية، أو سنلقى مصير لوحة الفرنسي أوغوست رودان نحو جهنم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى