الإنتشار اللبناني

“الخريطة الكبرى للأزمة “مساحة لمناقشة تاريخ لبنان/ بقلم محمود فقيه

طوال ثلاثة عقود، فشل اللبنانيون في كتابة تاريخهم، فيما احتفظوا ب#سرديات الحرب كما سرديات الأزمة داخل أزقة حاراتهم، وفي ذاكرتهم الشعبية وموروثاتهم الثقافية. لكل طرف منظوره الخاص، رموزه وال#زعماء والمجرمون. مقاربات أشبه بفيلم متعدد البعد والزاوية، على نحو لا يوحد الصورة بل يشظيها أكثر.

في الآونة الأخيرة، كثرت المبادرات المدنية للبحث في حقَبٍ عاشتها البلاد مدى قرن كامل، تبدأ من لبنان الكبير وتنتهي بالأزمة الكبرى. من بين هذه المبادرات، عمل فني مشترك بين الهيئة اللبنانية للتاريخ ورسام الكاريكاتور اللبناني برنارد الحاج، بتمويل من الوزارة الاتّحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية. وقد نشأت الفكرة لدى الحاج إثر سفره إلى ألمانيا بُعيد الأزمة.

“الخريطة الكبرى للأزمة” عمل متكامل بأجزائه الخمسة التي تحاكي الانهيار بين الماضي والحاضر، وتسلط الضوء على حقبة “إيام اللولو” التي عاشها لبنان في أواسط القرن الماضي ومدى صحة ذاك الواقع المتخيَّل المراد منا تصديقه والذي ما عدنا نلمس منه شيئا بسبب دخولنا “غابة الحرب الأهلية” التي شكلت رموزها “المنظومة” الحالية.

على جدران #مركز بيروت للفن، شاهد جمهور واسع من المهتمين، أكاديميين وإعلاميين وناشطين ومواطنين، عرضاً لبعض حلقات العمل الذي هو أشبه بنشرة أخبار في استوديو ينقل الرائي إلى موضة الثمانينيات واستوديوات الزمن الغابر، حين بات التلفزيون بالألوان للمرة الأولى.

وبأداء ساخر، استطاع برنارد الحاج، مع نادين شلهوب وسمير سرياتني رسم ضحكة على واقع مخز. تلك الكارثة الوطنية لم تكن مفاجأة لأولئك الذين كانوا منتبهين للأحداث، وعلى الرغم من تأكيد المبادرين عدم توجيه أصابع الاتهام إلى أحد، نال العرض من بعض الأطراف السياسية على حساب أخرى، كرئيس مجلس النواب نبيه بري، والرئيس ميشال عون، و”حزب الله” الذي كان لبعض الحضور نظرة في أن تفرد له مساحة أكبر لكونه “الفيل الموجود في الغرفة” أو معضلة المرحلة الأصعب والأولى.

لا يمكن التسليم بأن ما عرضه هذا العمل المصور هو النهاية أو خلاصة ما يمكن أن يتوصل إليها الباحث والدارس للواقع اللبناني، بل هو أشبه بوسيلة لفتح مساحة نقاش حول تاريخ لبنان، كي نكسر أقفال الأبواب الموصدة على سرديات قد نسمعها للمرة الأولى ويستقي منها المهتمون معطيات جديدة تضاف إلى الكمّ الهائل من المخزون الفكري الذي يجب أن يُطلق له العنان ليتحرر المرء من سجن الماضي.

السرديات المتنوعة يعتبرها الوزير السابق #زياد بارود عاملاً إيجابيا لحاجتنا إلى قراءات متنوعة من التاريخ. وفي جلسة حوارية بعد العرض، يتمنى استبدال كلمة “المنظومة” بمصطلح “الدولة العميقة”، متحدثا عن “أزمة كبرى للخريطة” مقابل “خريطة الأزمة الكبرى”.

أعمال كهذه قد تكون محطة انطلاق نحو مساحة أخرى، بيّنت تفاصيل رحلتها الإعلامية جوزفين ديب التي ترتكز على تجربتها الحياتية منذ طفولتها في فترة الحرب اللبنانية حتى تحررها نحو عالم رحب من التسامح والانفتاح.

(النهار)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى