مقالات

الصحوة المطلوبة

بقلم// زياد شبيب

“ليس هناك أكثر من مسيحيي الشرق مَن يُحسن رؤية المسافة بين القدس وروما. ولعلّ مسيحيي #لبنان هم أفضل المدركين لتلك الطريق…” يقول الرئيس شارل حلو في مقدمته لكتاب “القدس في الوثائق الفاتيكانية” للمطران إدمون فرحات (دار النهار)، ويضيف “مسيحيو الشرق، ونحن منهم، لهم تجاه القدس موقع خاص. كانوا بقربها وكانت قربهم. بقيت باستمرار شاهدة على المكان الأول، وكانوا هم باستمرار شهودًا على مصيرها… وكان من تقاليد آبائنا وأجدادنا، ذلك السفر إلى المدينة المقدسة، ينهدون إليها ويحجّون. ينزلون من الجبال، يأتون من المدن، ويسافرون إلى الأراضي المقدسة، وهم على معرفة تامة بأن أرضهم، هي أيضًا وطئها المخلّص”

أن تكون مسيحيًا من هذه البلاد ومؤيّداً للحق ورافضاً للظلم على أرض #فلسطين يُفترض أن يكون من البديهيات، لأن تلك الأرض المقدسة هي في صلب تكوينك الروحي، ووقوع مقارّ الرئاسات الكنسية في عواصم أخرى كروما أو غيرها، لا أثر له على مركزية القدس وفلسطين. هذه البديهية كانت عند الجميع ولا سيما عند من التحقوا برئاسة كرسي روما.

هذا كان موقع المسيحيين في المشرق ومعظم الموارنة الذين اتخذوا موقع القيادة والريادة في هذا البلد، إلى أن تحولّت رئاستهم قتالًا أخويّا لا ينتهي يتقدّم على كل ما له علاقة بالمصير. “الأمم تنذرهم بأن لبنان على عتبة النهاية، وهم يتناتشون أشلاء الاهتراء” كما قال سمير عطالله أول أمس في مقال الأربعاء الصرخة “أين الموارنة؟”.

التخلّي عن الدور حصل تدريجًا وهو ليس وليد هذه المرحلة فحسب، ولكن الالتهاء بالتناحر على الكرسي أصبح يستحوذ على كل جهد العاملين في السياسية من القيادات الطامحة إلى الرئاسة، حتى أصبح الموقف البديهي المطلوب مما يحصل من مذابح على أرض فلسطين إما نوعًا من الخطاب الذي يعرف صاحبه أنه لفظيّ ولا أثر له في الأحداث ولا قيمة عند صانعي القرار والمفاوضين على مصير هذه البلاد، أو أنه تعبير عن توقّف الزمن لدى البعض عند لحظة الصدام مع البندقية الفلسطينية فأصبح عداؤهم لفلسطين نفسها.

إذا كان من موقف في السياسة اليوم ينطلق من حقيقة القناعة المسيحية، فهو يجب أن يكون مناصرًا للحقّ ورافضًا للظلم المستمرّ في فلسطين، رافضًا بالمطلق لوجود دولة يهودية عنصرية على حدود لبنان، وهذا يشمل ما يُقال عن حلّ الدولتين، لأنه يعني بقاء دولة تقوم على أساس تفوّق العنصر اليهودي على الشعوب والأعراق والأديان الأخرى لأنهم “شعب الله المختار”، وخير دليل على استحالة حلّ مماثل هو أن تلك الدولة لم تقف عند الحدود التي منحتها إياها الأمم المتحدة في قرار التقسيم العام 1947 بل بقيت تتوسّع بالقوة والإبادة. وفي الدين لا يمكن للمسيحي أن يتخلّى عن حقّه بأن يكون له في الأرض المقدّسة مكان يتوافق مع مكانة تلك الأرض في عقيدته وفي العمل الخلاصي الذي تمّ فيها. ومشروع الحركة الصهيونية اصطدم في بدايته بموقف كنيسة روما عندما حاول تيودور هرتزل بعد المؤتمر الأول للحركة (1897) إقناع البابا بيوس العاشر بمشروع إقامة دولتهم فأجابه البابا بأنه “إن لم يعترف اليهود بسيدنا يسوع، لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي”. كان هذا طبعًا قبل المحرقة التي استخدمتها الصهيونية لتغيير الكثير من المواقف مستغلّة عقدة الذنب التي عاشها الغرب آنذاك بسبب أهوال الحرب الكبرى.

الصحوة المسيحية الشرقية المطلوبة اليوم تجاه فلسطين ليست متأخرة فالقضيّة مشتعلة، والموقف التاريخي يكون أصيلًا منطلقًا من هذه الحقائق ومنفصلًا عن مصالح المتصارعين على علم فلسطين أو حسابات المستثمرين فيه.

عن صحيفة “النهار”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى