مقالات

الشيعة ولبنان: فائض قوّة أم فائض اعتزاز؟

بقلم// محمد عبيد

فتحت قضية شحنة المتفجّرات العائدة للمقاومة الإسلامية شهية السلطة اللبنانية للاندفاع نحو استكمال مسار تجريم المقاومة وعزلها، عبر الانتقال إلى المحطة القضائية العدلية، بما تنطوي عليه من إدانات ومُلاحقات واعتقالات قد تطاول الجسم التنظيمي لحزب الله، وكذلك امتداداته السياسية والمؤسساتية بمختلف أشكالها واختصاصاتها. ويأتي ذلك بعدما صوّتت غالبية الحكومة، باستثناء وزراء الحزب، في الثاني من آذار الماضي، على استصدار قرار يصف المقاومة، أو ما سُمّي الجناح العسكري والأمني للحزب، بأنه حالة خارجة على القانون.

ومن المؤكّد أن دوافع الانتقال إلى هذه المرحلة لم تنشأ من مُصادفة ضبط شحنة المتفجّرات. فمعظم الجالسين إلى طاولة مجلس الوزراء إمّا سهّلوا حركة المقاومة عسكرياً وأمنياً على مدى سنوات طويلة، وإمّا شاركوا ممثليها في أكثر من حكومة أو مجلس نيابي، أو تعايشوا معهم في إدارات الدولة ومؤسساتها. والأهم أنهم وافقوا، في مناسبات عديدة، على بيانات وزارية شرعنت المقاومة، شكلاً وأداءً، بعدما خبروهما عن كثب، ومنحوا الثقة لحكومات على أساس تلك البيانات.

ما الذي تغيّر إذاً؟

إذا تجاوزنا الحقد الكامن في نفوس هؤلاء على المقاومة، والذي برعوا في إخفائه سنوات طويلة، بفعل الجبن من جهة، وتغليب المصالح الشخصية والحزبية، أو كليهما معاً، من جهة أخرى، فإن قوة الدفع الإقليمية والدولية، المتمثّلة بالمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، رغم تباين أولويات كل منهما، تسعى إلى تثبيت وقائع جديدة في لبنان، استباقاً لاحتمالَي الحرب والتسوية، بما يقيّد قدرة حزب الله، ومن خلفه إيران وحلفاؤها، على تغيير هذه الوقائع وفقاً لما قد تؤول إليه أيٌّ من هاتين الحالتين.

بمعنى آخر، فإن نجاح حزب الله في استعادة ما اتُّهم به من «فائض قوة» سيعيد إليه مساحات واسعة من النفوذ في القرار السياسي للدولة، ويُسقِط رهانات القوى الداخلية على استئصاله، أو على الأقل «تدجينه»، بما يتلاءم مع متطلبات إعادة إنتاج وجه لبنان القديم بصيغة الـ43، واستعادة دوره المُلتبِس الذي قام على فُتات النفط والتبعية المتقلّبة.

في المقابل، فإن عجز السلطة السياسية المُستحدثة، ومن خلفها القوى الدافعة إقليمياً ودولياً، عن فهم التراكم التاريخي للأدوار الشيعية في لبنان، قبل إنشائه عام 1920 وبعده، جعلها تستسهل المسّ، بل والانقضاض المُخطّط على ما كان الشيعة ولا يزالون يعتبرونه «فائض اعتزاز» في تكوين شخصيتهم الاجتماعية والثقافية والتربوية والسياسية والوطنية، أي المقاومة.

كان من المُمكِن التغاضي عن هذا القصور البنيوي في شخصيات مكوّنات السلطة وسلوكها الدولتي، لو اقتصرت انعكاساته على صياغة قرارات عامة تتصل بإدارة بعض الشؤون الإدارية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. لكن حين يتحوّل هذا القصور إلى مدخل تستغلّه القوى المعادية للبنان لجرّ السلطة إلى مشاريع تمسّ سيادته وقراره الحر المستقل، وتهدّد بنيته العقائدية المتنوّعة، يصبح لزاماً على من يمتلكون الجرأة والإرادة والقوة إعادة تصويب البوصلة الوطنية، مهما بلغت الصعوبات والتعقيدات التي يمكن أن تُبقي المعركة مفتوحة لوقت غير قصير.

ولئن برزت قضية شحنة المتفجّرات بوصفها ذريعة مباشرة للانتقام من حزب الله، فإن المُضمَر هو السعي الحثيث إلى كشف الطرق والقنوات التي مكّنت قيادة الحزب من استقدام أكثر من 200 مليون دولار أميركي، كما قيل، والإعلان عن برنامج متكامل لإيواء أهل المقاومة، بما يحفظ كرامتهم ويعزّز صمودهم وثباتهم واحتضانهم للمقاومة والمقاومين.

ولعلّ السلطة السياسية، ومن خلفها قوة الدفع السعودية ـــ الأميركية، وحتى الإسرائيلية، تدرك أن المقاومة ما زالت تحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة ونوعية، وأن مُصادرة شحنة المتفجّرات تلك لن تؤثّر مُطلقاً في حضورها الميداني أو استعداداتها العملياتية لمواجهة أي عدوان واسع مُحتمل. بل إن هذه الخطوة قد تبعث في نفوس أهل المقاومة ثقة متجدّدة بأن «الشباب» يتجهّزون كل يوم، وكل ساعة، وكل ثانية، للدفاع عنهم وعن الأرض. وينسحب ذلك أيضاً على سعي «الشباب» أنفسهم إلى توفير سبل العيش الكريم لأهلهم.

لكن المؤكّد أن نجاح قيادة الحزب في استعادة المبادرة على مستوى تأمين المتطلبات المالية للإيواء، والأهم الوفاء بالعهود التي قطعتها لأهل المقاومة، وضع السلطة في موقف حرج، وأربك حساباتها أمام حدث كهذا، بعدما أمضت مؤسسات دولية وإقليمية مالية واقتصادية وسياسية سنوات طويلة في العمل لمنع حصوله. كذلك أسقط هذا النجاح المفاعيل الإعلامية والإعلانية للوعود التي لا تزال السلطة تطلقها لتقديم نفسها بديلاً عن قيادة المقاومة. وأظهر، بما لا يقبل الشك، أن هناك أثماناً أخلاقية يُراد لأهل المقاومة أن يدفعوها، في مقدّمها التخلّي عن مقاومتهم مقابل الحصول على بعض الشفقة والإجراءات البلدية.

الآن، يبدو أن الوقت قد حان لحسم الخيارات: إمّا تثبيتها، وإمّا الانقلاب عليها والاصطفاف في الضفة الأخرى. فالحاجة إلى استعادة بعض «فائض القوة»، ولو بأسلوب مختلف عن ذاك الذي جسّدته تجربة «القمصان السود»، تبدو ملحّة وضرورية عند المنعطفات السياسية الخطرة التي يمكن أن تطاول «فائض الاعتزاز».

*سياسي لبناني

عن “الأخبار”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى