الباب المشرّع بيسهّل على الغريب يفوت…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
ليس كلّ بابٍ مفتوحٍ دليلَ كرم، ولا كلّ من دخل منه ضيفًا، ولا كلّ من رفع شعار الحرية جاء حاملًا رسالة تحرّر. فثمة أبواب تُفتح بحسن نيّة، وأخرى تُترك مشرّعة بفعل الغفلة، وثمة من يتربّص خلفها، ينتظر اللحظة المناسبة ليدخل، لا ليُصلح البيت، بل ليضع يده عليه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في القارة العجوز، التي طالما تباهت بالديمقراطية، وافتخرت بالحرية، وجعلت العلمانية عنوانًا لهويّتها السياسية والفكرية. فهل أدركت أوروبا أنّ القيم التي تتغنّى بها يمكن أن تتحوّل، حين تغيب الحكمة وتضعف المناعة الوطنية، إلى ثغرات ينفذ منها من يريد تقويض استقرارها؟
الحرية ليست انتحارًا، والديمقراطية ليست تسليمًا بمصير الشعوب لكلّ من يُتقن استغلال غضبها، والعلمانية ليست إعلان حرب على القيم الروحية والأخلاقية. لكنّ الخطر يبدأ عندما تتحوّل هذه المبادئ من أدوات لتنظيم المجتمع وحماية الإنسان إلى شعارات تُستعمل لتعطيل إرادة الدولة، وإضعاف مؤسساتها، وتجريدها من القدرة على حماية نفسها.
وما أكثر الذين يرفعون راية الإصلاح فيما غايتهم أبعد من الإصلاح! يستثمرون في الفقر والغلاء، ويُضخّمون نقمة الناس على الفساد، ويستغلّون فقدان الثقة بالسلطة، ثم يقدّمون أنفسهم بديلًا منقذًا. وقد تكون المطالب الشعبية محقّة، وقد يكون الفساد حقيقيًا ومستشريًا، لكنّ السؤال الذي لا يجوز إغفاله هو: من يستفيد من الغضب؟ ومن يوجّه مساره؟ وإلى أين يريد أن يصل بالبلاد؟
وليس كلّ احتجاج مؤامرة، ولا كلّ تحرّك شعبي صناعة خارجية؛ فاختزال غضب الناس بالتدخّل الخارجي ظلمٌ للناس وتجاهلٌ للأسباب الحقيقية التي تدفعهم إلى الشارع. لكنّ السذاجة المقابلة تكمن في الاعتقاد أنّ القوى الخارجية لا تستثمر الأزمات، ولا توظّف الشعارات النبيلة لخدمة مصالحها، ولا تسعى إلى التأثير في أنظمة الحكم حين تتاح لها الفرصة.
ومن هنا، يمكن مقاربة أحداث 17 تشرين في لبنان، وما شهدته فرنسا وإيطاليا من احتجاجات واضطرابات في مراحل مختلفة، من زاوية واحدة هي العلاقة بين الأزمات الداخلية وإمكان استثمارها سياسيًا من الخارج. لكنّ تشابه التاريخ أو الشعارات لا يكفي وحده لإثبات أنّ هذه الأحداث جميعها صُنعت بيد واحدة أو استهدفت الغاية نفسها؛ فلكلّ بلد ظروفه وفاعلوه ومساره.
أمّا أوروبا اليوم، فالتحدّي الذي تواجهه لا يُختصر في صراع بين الحرية والانضباط، بل في قدرتها على حماية نظامها الديمقراطي من دون أن تهدم المبادئ التي قام عليها. فالدولة التي تعجز عن تطبيق قوانينها تفقد هيبتها، والدولة التي تقمع الحريات باسم حماية نفسها تفقد شرعيتها الأخلاقية.
القارة العجوز لا تحتاج إلى كرباجٍ أعمى، بل إلى يدٍ قوية وعقلٍ يقظ؛ إلى دولة تضرب الفساد بلا هوادة، وتواجه الجريمة بحزم، وتمنع التدخّل غير المشروع، وتطبّق القانون على الجميع من دون استثناء. قوّة الدولة لا تُقاس بقدرتها على البطش بالضعفاء، بل بقدرتها على إخضاع الأقوياء للقانون.
فإن كان الباب المشرّع يسهّل على الأزعر الدخول، فإنّ إغلاقه وحده لا يكفي إن كانت جدران البيت متداعية، وأهله متناحرين، والقائمون عليه منشغلين بتقاسم ما بقي منه.
الإصلاح الحقيقي يبدأ بترميم البيت من الداخل، واستعادة ثقة الناس بالدولة، ومحاسبة الفاسدين، وحماية الحدود والسيادة، وعدم السماح لأحد بأن يتّخذ من أوجاع المواطنين سلّمًا للوصول إلى السلطة.
أمّا ترك الباب مفتوحًا باسم الحرية، ثم الصراخ عندما يدخل الأزعر، فليس دفاعًا عن الديمقراطية، بل اعترافٌ متأخّرٌ بسوء تقدير المخاطر.
فالحرية التي لا تحرسها دولة عادلة تصبح مطمعًا، والديمقراطية التي لا يحميها وعيٌ شعبي تصبح قابلة للاختطاف، والعلمانية التي تتحوّل إلى صراع مع هوية المجتمع قد تُعمّق الانقسام بدل أن تحمي التعدّد.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يقلق القارة العجوز قبل فوات الأوان:
هل ستستفيق أوروبا، فتُغلق الثغرات وتستعيد قوّة الدولة وهيبة القانون، أم ستظلّ تتغنّى بمفاتيح الحرية، فيما يتكاثر الطامعون خلف أبوابها؟
فليس المطلوب أن نغلق أبوابنا في وجه العالم، بل ألّا نتركها مشرّعة أمام كلّ من يريد الدخول لسرقة البيت، ثم يطالب أهله بالتصفيق له باسم الديمقراطية.



