مقالات

بين التردّد وواقع الحال …

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

في مشهدٍ يكاد يتحوّل إلى نمطٍ ثابت، لا يعود ما يجري اليوم تعبيرًا عن صراعٍ بين قوى متقابلة بقدر ما هو انعكاسٌ لحالةٍ عامة من التردّد المقنّع.

خطاباتٌ تتصاعد، مواقف تُرفع إلى حدودها القصوى، وسرديّات تُبنى بعناية لتوحي بالقدرة… ثم، عند لحظة الاختبار، يبدأ التراجع التدريجي، وكأنّ ما قيل لم يكن سوى جزء من لعبةٍ أكبر عنوانها شراء الوقت.

اللافت أنّ هذا السلوك لم يعد استثناءً، بل أصبح قاعدة غير معلنة.

فكلّما ارتفع السقف، بدا وكأنّه لن يُلامس الواقع، وكلّما اشتدّ التهديد، بدا أنّه يفتقر إلى ما يكفي من الإرادة ليتحوّل فعلًا.

وهكذا، يتحوّل المشهد إلى دائرة مغلقة: تصعيدٌ محسوب، يتبعه انكفاءٌ مدروس، ثم إعادة إنتاج للخطاب ذاته بصيغٍ مختلفة، دون أي تغيير جوهري في النتائج.

ما نشهده ليس فائض قوة، بل فائض قلق.

إنه سعيٌ دائم لإظهار التماسك، يقابله تردّدٌ عميق في اتخاذ القرار.

وفي هذا التناقض تحديدًا، تنكشف الحقيقة: القدرة ليست في رفع الصوت، بل في تحمّل تبعات ما يُقال، وهو ما يبدو غائبًا في معظم الأحيان.

في الأزمات الكبرى، لا تُختبر النوايا بل تُختبر القرارات.
المقتدر لا يحتاج إلى الإفراط في الإشارات، لأن فعله يختصر المسافة بين القول والنتيجة.

أمّا حين تتكاثر الرسائل، وتتضارب الإيحاءات، وتتبدّل النبرات بين لحظة وأخرى، فإن ذلك لا يُقرأ إلا بوصفه تعبيرًا عن ارتباكٍ في تحديد الاتجاه، أو عجزٍ عن حسم الخيار.

وربما الأخطر من ذلك، أنّ هذا التردّد لا يبقى محصورًا في إطاره الضيّق، بل يمتدّ أثره إلى ما هو أوسع.

فهو يستنزف الوقت، ويبدّد الإمكانات، ويضع الجميع في حالة انتظارٍ دائم لشيء لا يأتي.

ومع كل دورة جديدة من التصعيد والتراجع، تتآكل الثقة أكثر، ويترسّخ الشعور بأن ما يُدار ليس صراعًا لحسمٍ ما، بل إدارةٌ مفتوحة لحالة اللا حسم.

هكذا، يصبح الغموض سياسة، والتأجيل قرارًا، والمراوحة خيارًا.

وتغدو اللغة نفسها أداةً للتغطية لا للكشف، تُستخدم لرفع المعنويات حينًا، ولتبرير الانكفاء حينًا آخر، دون أن تغيّر في جوهر المشهد شيئًا.

في المحصّلة، لا تقاس القوّة بما يُقال، بل بما يُفعل.
ومن يكثر من رفع السقوف ثم خفضها، ومن يبدّل مواقفه تحت وطأة اللحظة، لا يثبت مرونة بقدر ما يكشف هشاشة. فالقوّة، في جوهرها، لحظة وضوح…

ومن يفتقد هذه اللحظة، سيبقى أسير الإشارات، يدور في حلقةٍ لا تنتهي، فيما الواقع يمضي في اتجاهٍ آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى