الانتشار اللبنانيمقالات

الكلاب المشردة في لبنان: وجع على الأرصفة ودولة غائبة عن الحماية؟

كتبت زينة جركس

الدكتورة دانا أبو الحسن وتجربة إنقاذ الكلاب المشردة تفتحان ملفاً يتجاوز التعاطف إلى مسؤولية الدولة والمجتمع، في ظل التحديات التي تواجه الجمعيات المعنية برعاية الحيوانات.

في شوارع لبنان، لا تقتصر المأساة على كلب جائع يبحث عن بقايا طعام، أو حيوان مريض يفترش الرصيف، أو مخلوق يُترك لمواجهة البرد والمرض والخطر. خلف هذه المشاهد سؤال أكبر من حدود الشفقة: من يحمي هذه الكائنات؟ وأين تنتهي مسؤولية الفرد لتبدأ مسؤولية الدولة؟

قضية الحيوانات المشردة ليست تفصيلاً هامشياً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الأزمات، ولا مجرد مشهد مؤلم يثير التعاطف للحظات قبل أن تنشغل الناس بهمومها اليومية. إنها قضية تتصل بثقافة المجتمع، وفاعلية الحماية القانونية، ومدى قدرة المؤسسات على تحويل الرحمة من مبادرات فردية إلى مسؤولية منظمة ومستدامة.

من هذا المنطلق، تبرز تجربة الدكتورة دانا أبو الحسن مع الكلاب المشردة، بوصفها مدخلاً إنسانياً إلى قضية أوسع، تتعلق بحق الحيوان في الحياة والرعاية، وبالتحديات التي تواجه كل من يختار ألا يدير ظهره لكائن ضعيف لا يستطيع التعبير عن ألمه أو المطالبة بحقه.

حين تصبح الرحمة مسؤولية يومية

إنقاذ حيوان من الشارع ليس مجرد فعل عاطفي عابر. فقد تبدأ الحكاية بوجبة طعام أو محاولة لإسعاف كلب مصاب، لكنها قد تتحول إلى مسؤولية يومية تشمل العلاج والتغذية والإيواء والمتابعة، فضلاً عن البحث عن أشخاص قادرين على توفير منزل آمن للحيوان.

الحيوان لا يستطيع أن يشرح ما يؤلمه، ولا أن يطلب المساعدة عندما يُصاب، ولا أن يبحث بنفسه عن مأوى يحميه من الجوع والمرض ومخاطر الطريق. وهنا تحديداً تظهر قيمة المبادرات الفردية والجمعيات التي تحاول سدّ ثغرة إنسانية واجتماعية، غالباً في ظروف مالية ولوجستية شديدة الصعوبة.

لكن الاعتماد على أصحاب المبادرات وحدهم لا يمكن أن يكون حلاً دائماً. فالمشكلة أكبر من قدرة فرد أو جمعية على احتوائها، مهما اتسعت دائرة التعاطف أو تضاعفت جهود الإنقاذ.

حقوق الحيوان في لبنان: أين تبدأ مسؤولية الدولة؟

السؤال الأساسي ليس فقط لماذا تزداد معاناة الحيوانات المشردة، بل كيف يمكن بناء منظومة تحميها وتحدّ من أسباب تشردها وإيذائها.

تبدأ المعالجة الجدية بإطار قانوني واضح وفعّال، وآليات قابلة للتطبيق لمحاسبة من يسيء إلى الحيوانات، إلى جانب سياسات مسؤولة للتعامل مع الحيوانات الشاردة، تستند إلى الرعاية والوقاية والعلاج، بدلاً من العنف والقتل العشوائي.

كما تتطلب القضية تنسيقاً بين البلديات والجهات المعنية والجمعيات والأطباء البيطريين، وتوفير برامج للتوعية والتبني المسؤول والتعقيم والرعاية الصحية، بما يحدّ من تكاثر الحيوانات المشردة ويخفف معاناتها، مع مراعاة السلامة العامة.

فحماية الحيوان لا تتعارض مع حماية الإنسان. بل إن الإدارة المسؤولة لهذه القضية تقتضي معالجة مخاوف السكان ومخاطر السلامة العامة، من دون تحويل الحيوانات نفسها إلى ضحايا لحلول مرتجلة أو ممارسات مؤذية.

والأهم أن تبقى القوانين، حيثما تنطبق، أكثر من نصوص مكتوبة؛ إذ لا قيمة لأي حماية قانونية ما لم تقترن بالتنفيذ والمحاسبة والموارد اللازمة.

جمعيات تحت الضغط… واحتياجات تتجاوز الإمكانات

في المقابل، تواجه الجمعيات والأفراد العاملون في إنقاذ الحيوانات تحديات متراكمة، أبرزها نقص التمويل، وارتفاع كلفة الطعام والعلاج البيطري، وتزايد الحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل، فضلاً عن محدودية الملاجئ وصعوبة تأمين رعاية مستمرة لأعداد كبيرة من الحيوانات.

ولا تنتهي المسؤولية عند إنقاذ الحيوان من الشارع. فكل حالة تحتاج إلى متابعة، وقد تتطلب علاجاً طويلاً أو رعاية خاصة أو مكاناً آمناً للإقامة. ومع محدودية الموارد، يصبح إنقاذ حيوان جديد أحياناً قراراً صعباً، لا بسبب غياب الرغبة في المساعدة، بل بسبب العجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية للحالات الموجودة.

هنا تبرز ضرورة الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى دعم منظم ومستدام، يتيح للجمعيات مواصلة عملها، ويمنحها القدرة على التخطيط والاستجابة، بدلاً من تركها في مواجهة أعباء تتجاوز إمكاناتها.

ومن هذه الزاوية، تكتسب تجربة الدكتورة دانا أبو الحسن أهمية تتجاوز الجانب الشخصي، لأنها تفتح الباب أمام تسليط الضوء على واقع الإنقاذ والرعاية، وعلى ما تحتاج إليه هذه الجهود كي تستمر وتحقق أثراً أوسع.

ما الصعوبات التي تواجه الجمعيات والأفراد العاملين في إنقاذ الحيوانات؟ وما الذي ينبغي أن يعرفه الإعلام والناس وصنّاع القرار عن واقعهم واحتياجاتهم؟

إن الإجابة عن هذين السؤالين ضرورية لفهم القضية بعيداً عن الصور المؤثرة وحدها، ولتحديد الخطوات العملية التي يمكن أن تحول التعاطف إلى حماية فعلية.

الرحمة ليست ترفاً… بل مسؤولية مجتمع

في بلد تتزاحم فيه الأزمات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، قد تبدو حقوق الحيوان للبعض قضية يمكن تأجيلها. لكن وجود أزمات أخرى لا يلغي أهمية هذه المسألة، ولا يعفي المجتمع من البحث عن حلول واقعية ومستدامة لها.

فالرحمة لا تعني تجاهل معاناة الإنسان أو التقليل من أوجاعه، بل تعني ألا تتحول المعاناة إلى مبرر إضافي لإيذاء كائن أضعف. كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها؛ إذ يستطيع الأفراد المساهمة عبر التبني المسؤول، وتقديم الدعم للجمعيات الموثوقة، والإبلاغ عن حالات الإيذاء، ونشر الوعي بطرق التعامل الآمن مع الحيوانات.

وفي هذا السياق، لا ينبغي اختزال تجربة الدكتورة دانا أبو الحسن في حب الكلاب فحسب، بل يمكن النظر إليها بوصفها مدخلاً إلى نقاش أوسع عن حدود المسؤولية الفردية، ودور المؤسسات، وما يحتاج إليه العمل الإنساني كي لا يبقى رهناً بجهود أشخاص يواجهون المشكلة وحدهم.

من يطالب بحق من لا صوت له؟

قد لا نستطيع إنقاذ كل حيوان مشرد، لكن ذلك لا يعني أن نكتفي بالحزن على مصيره. يمكن لكل خطوة، مهما بدت صغيرة، أن تصنع فارقاً: علاج حيوان مصاب، أو إطعام كلب جائع، أو توفير مأوى آمن، أو مساعدة جمعية على مواصلة عملها.

غير أن السؤال الذي يجب ألا يغيب عن النقاش يبقى أكبر من كل مبادرة فردية: إذا كان الحيوان عاجزاً عن المطالبة بحقه، فمن يتولى الدفاع عنه؟ ومن يضمن ألا تتحول حياته إلى مسألة متروكة للمصادفة، أو لرحمة عابر سبيل، أو لقدرة جمعية على تحمّل المزيد؟

إن المجتمع الذي يحمي كائناته الأضعف لا يثبت بذلك قدرته على التعاطف فحسب، بل يكشف أيضاً عن فهمه للمسؤولية وحدود القوة وضرورة المحاسبة.

وفي النهاية، لا يحتاج العالم دائماً إلى خطابات كبيرة كي يصبح أكثر إنسانية؛ بل يحتاج إلى أفعال تحمي الضعفاء، وإلى مؤسسات تحول المبادئ إلى ممارسة، وإلى أفراد لا يعتبرون الضعف سبباً للإهمال أو الأذى.

فحين يُترك كائن بلا صوت لمواجهة مصيره في الشارع، لا يكون السؤال فقط من سيطعمه أو يعالجه، بل أيضاً: أي مجتمع نريد أن نكون؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى