شيخ العقل في افتتاح مركز الثقافة التوحيدية في ضهر الأحمر: للحفاظ على الهوية المعروفية التوحيدية وتعزيز الوحدة الوطنية


أمل شيخ العقل لطائفة الموحّدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، أن يعي العالم من حولنا أهمية الحفاظ على الموحّدين الدروز كجماعة عربية متميزة بدورها وتاريخها، وأن يعي إخواننا الموحّدون، أينما كانوا، مخاطر الانجرار في سياق مشاريع عدوانية تهدف إلى تبديل قوميتهم التاريخية، وسلخهم عن أوطانهم، وقطع جسور الثقة بينهم وبين المكوّنات الوطنية.
وشدّد على أن “رسالتنا ودورنا ومهمتنا هي ألّا نكون رأس حربة في مواجهة أيٍّ من شركائنا، مهما كانت مذاهبهم وتوجّهاتهم”.
جاء كلام شيخ العقل خلال افتتاحه مركز الثقافة التوحيدية في مزار “الست سارة” في بلدة ضهر الأحمر – قضاء راشيا، برعاية سماحته وبدعوة من المجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدروز – اللجنة الدينية، بالتعاون مع لجنة وقف ضهر الأحمر.
شارك في الافتتاح عضو كتلة “اللقاء الديمقراطي” النائب وائل أبو فاعور، النائب السابق فيصل الداوود، ممثل رئيس الحزب “الديمقراطي اللبناني” الأمير طلال أرسلان، مسؤول الحزب في المنطقة جمال البرقشي، نائب الأمين العام ل”حركة النضال اللبناني” طارق الداوود، وكيل داخلية البقاع الغربي في الحزب التقدمي الاشتراكي عارف أبو منصور.
وحضر أيضاً الشيخ ماجد أبو سعد، القاضي الشيخ منير رزق، وحشد من المشايخ، رئيس اتحاد بلديات جبل الشيخ نظام مهنا، رئيسا بلديتي راشيا رشراش ناجي وضهر الأحمر نجيب بحمد، رؤساء بلديات ومخاتير وشخصيات وفاعليات من البلدة والمنطقة، إلى جانب رؤساء لجان وأعضاء من المجلس المذهبي ومديريتي المشيخة والمجلس ومستشارين، ولجنة وقف ضهر الأحمر وجمع من الأهالي.
كلمة شيخ العقل
وألقى الشيخ أبي المنى كلمة قال فيها: “حرمونُ شيخَ الكلِّ، مجدُك ماثلُ، في كلِّ مَكرُمةٍ، وشيخُــكَ فاضلُ، فكلاكُما جبلٌ تحدّى الرّيـــحَ، لم يَرضَخْ، وكلّلَه البيــاضُ الشاملُ، والفرقُ أنَّ عمامةَ الشيخِ اكتمــا، لُ دائمٌ، لكنّ ثلجَــك زائلُ، حرمونُ يا ذا العزَّ، يشهدُ أنّ وادي التَّيمِ لا يَقوى عليه الجاهلُ، وبأنَّ عمّارَ الشهيدَ مُخلَّدٌ فينا، ولم يخلُدْ ويَحيَ القاتلُ وبأنّ هذي الأرضَ أرضُ محبـةٍ فيها من التوحيد سرٌّ كاملُ”.
وأضاف: “المشايخ الأفاضل، السادة الأكارم، إخواني، أخواتي، أيها الأبناء الأعزّاء، نأتي إلى هذه البلاد المقدَّرة، لأمرٍ مقدَّر، فراشيا الحبيبة، بأهلها وتاريخها وتراثها وانتمائها التوحيدي والوطني والقومي، هي لنا بمقام السَّنَد الذي يُركَن إليه، وخزّان الرجال الذي يُتّكَل عليه. وضهر الأحمر، وأخواتها من القرى المعلَّقة على صدر جبل الشيخ، مقامها في الروح رفيع، وموقعها في الذاكرة منيع، وحبّها في القلب لا يضعف ولا يضيع. الأمر المقدَّر الذي نأتي إليه مرتبطٌ بمهمة الحفاظ على الهوية الروحية والأخلاقية التي نتعلّق بها كتعلُّق الروح بالجسد، والتي نخشى عليها أن تُمَسَّ وتُنتهَك، في خضمّ أمواج العولمة والانفتاح من جهة، ومشاريع التغريب من جهة أخرى؛ هذه الهوية المعروفية التوحيدية التي حملناها في العقول وفي القلوب منذ القدم، أينما كانت أوطاننا ومهما تبدّلت ظروفنا وأحوالنا؛ هي هويّة أغلى عندنا من كل الهويّات المادية والجغرافية، نعيشها ولاءً ثابتاً للحق، وأخوّة توحيدية صادقة، وانتماءً وطنياً صريحاً، وعيشاً إنسانياً كريماً، والتصاقاً بالأرض وبالعقيدة”.
وتابع: “أمّا حبّنا لراشيا وارتباطنا بالهوية فأمران مقدّران؛ نعم مقدّران؛ أولاً بمعنى الاحترام والتقدير، وثانياً بمعنى أنهما قدرٌ علينا، وفي كلا المعنيين والحالين، ما يدفعنا للمجيء إلى هذه البلاد للقيام بالواجب، بدافع الحبّ والتقدير، وبدافع الإيمان بالقدر، لنكون إلى جانب المشايخ الأفاضل والوجوه الكريمة والأهالي الأعزّاء، في افتتاح مركز الست سارة للثقافة التوحيدية في ضهر الأحمر، كواحدٍ من مراكز التنوير والتوعية التي نحرص على تعميمها في مختلف المناطق، أملاً بأن نساهم من خلالها في صقل الهوية الروحية وحفظها من التشتّت والتشويه والضياع، وفي صون العائلة المعروفية من التفكّك والآفات والفساد، وفي التمكين من عيش المواطنة الصالحة مع شركائنا في الوطن والإنسانية، مهما كانت مذاهبهم الدينية وألوانهم السياسية والفكرية”.
وأردف: “الثقافة التوحيدية التي نسعى إلى نشرها تبدأ بزرع بذور الإيمان في نفوس الناشئة والشباب، ثمّ بالتعريف بمسلك التوحيد في إطاره الإسلامي، إذ (إنّ الدين عند الله الإسلام)، كما جاء في القرآن الكريم، وفي إطاره الفكري العقلاني، إذ هو امتدادٌ لعمل العقل في ما سبق وما لحق من التجلّيات الفلسفية والشرائع السماوية والمسالك العرفانية التوحيدية؛ والتوحيد عندنا هو روح الشرائع والمسالك ولبّها، إذ هو مسلك علمٍ وعمل، معرفةٍ وممارسة، حكمةٍ وتحكّم، بل هو رحلة مسافرة وارتقاء في درجات الإسلام والإيمان والإحسان، والموحّدون في تلك الرحلة الروحية والإنسانية متمسّكون بسرّ التوحيد وجوهره، وبسلّم القيم الأخلاقية والفضائل الإنسانية، صادقو اللسان، راسخو الإيمان، راضون مسلّمون، ولكنهم يأبون الضيم ولا يعتدون”.
وتابع: “إلّا أنّ الموحّدين، وبالرغم من طبيعتهم المسالمة، وربما بسبب تلك الطبيعة، وبسبب الجهل ونقص الثقافة التوحيدية لدى العامة منهم، فقد تعرّضوا للكثير من الإساءات والافتراءات عبر تاريخهم، حيث أُسيء فهمهم وجرى تعريضهم مراتٍ ومرّات، عند تنازع الدول وتأجيج الصراعات، لمحاولات التشويه والتكفير. كما أنّ انشغالهم بالحروب المتتالية التي خاضوها دفاعاً عن الثغور المشرقية وعن أنفسهم، والتي أدّت إلى عدم الاستقرار في حياتهم عبر مراحل متعددة من التاريخ، كل ذلك أسفر عن مزيد من الجهل في حقيقة مذهبهم، وعن كثير من الافتراء عليهم وعلى مسلكهم العرفاني الأرقى وإسلامهم التوحيدي الأنقى، وربما دفعت تلك الحالة المترافقة مع قلّة المداراة ومع إهمال التقية المطلوبة في بعض الأحيان، إلى انفلات جماعات التطرّف والإجرام وارتكابهم المجازر والانتهاكات بحق أبناء الطائفة، دونما قدرة من أحد على لجم التطرّف، ووضع حدّ للمتاجرين بالولاءات والهويّات وللمقامرين بوحدة الأوطان والكيانات”.
وأضاف: “لقد نهل الموحّدون (الدروز) تعاليمهم ومبادئ عيشهم من معين القرآن الكريم، بما فيه من الأحكام والحكمة، فتعلّموا من آياته وفصوله وزكّوا علمهم فعلّموا وثقّفوا، امتثالاً لقوله تعالى: (ربّنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم إنّك أنت العزيز الحكيم). من هذه الآيات المنزلة على الأنبياء والمرسلين، ومن فصول الحكمة الفائضة من ألسن وقلوب أرباب المعرفة والعرفان، تعلّم شيوخنا وعلّموا، ونحن على طريقهم سائرون في مراكز الثقافة التوحيدية التي نسعى من خلالها إلى نشر المعرفة وصون القيم، إضافة إلى الدور المنوط بكلية الأمير السيد الجامعية للعلوم التوحيدية في عبيه التي نأمل تطويرها، ملتزمين بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجاهدين لنكون خير أمة أخرجت للناس، كما أرادنا الله سبحانه وتعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله…). صحيح أنّ أهلنا الموحّدين عاشوا حياة الزهد والبساطة الروحانية والتواضع والتسامح، لكنّهم ساهموا في بناء المجتمع على قواعد العدالة والاعتدال، وتمرّسوا في لعب دور الجمع والوسطية، (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)، وعمل قادتهم وشيوخهم على ترسيخ أسس العيش المشترك ومبادئه، انطلاقاً من مبادئ التوحيد القاضية بمخاطبة الناس بالتي هي أحسن، وانسجاماً مع حاجتهم إلى العيش الآمن والكريم مع شركائهم في الوطن وفي الإنسانية، خصوصاً في بلد مثل لبنان وأينما وُجد الموحّدون (الدروز) في بلاد الشام، حيث وحدة الحضارة العربية والإسلامية، ووحدة البيئة واللغة، ووحدة التاريخ والجغرافيا، ووحدة منابع الرسالات السماوية، وحيث يشكّل الواقع المشرقي نموذجاً متقدّماً للحوار الديني وللعيش معاً”.
وقال: “لقد استفاد الموحّدون (الدروز) من عبر التاريخ ودروسه، فاستطاعوا التكيّف مع المستجدات والتطورات، دون أن يتخلّوا عن خصوصياتهم وتقاليدهم وتراثهم، إيماناً منهم بأن الاندماج والتشارك والانفتاح لا يعني الذوبان والانصهار والتنكّر للهوية الذاتية، وبأن التحدي الكبير يكمن في القدرة على إقامة التوازن بين ما هو ثابت وما هو متغيّر ومتحوّل، وعلى الأخص في خضم الصراعات والتجاذبات وغلبة الأيديولوجيات الدينية المتقابلة والأصوليات المتناحرة، التي تحتّم على الجميع أن يزنوا الأمور بميزان العقل والحكمة، وألّا ينقادوا باختلاف اجتهاداتهم إلى خلافات قاتلة لا يستفيد منها إلّا المتربّصون شراً بهم وبأوطانهم.
من جهتنا كمسلمين موحّدين راسخين في هذه المنطقة منذ أكثر من ألف وثلاثمئة سنة، فقد حمل أجدادنا رسالة توحيدية ولعبوا دوراً دفاعياً وأدّوا مهمة وطنية، وما علينا اليوم إلا أن نحافظ على الرسالة وعلى الدور وعلى المهمة، وألّا نكون رأس حربة في مواجهة أيّ من شركائنا، مهما كانت مذاهبهم وتوجّهاتهم، بحسب ما خلص إليه الزعيم القائد وليد جنبلاط؛ أحد أهم زعماء الطائفة ووجوهها التاريخية، الذي قادها بجدارة في زمن الحرب والدفاع عن الوجود، وفي مسيرة بناء السلام والمصالحة، واليوم في مواجهة مشاريع التفتيت والتحجيم، بما ينفي كل الافتراءات والحملات الخبيثة القائلة بخيارات مناقضة، والمسوّقة لقومية درزية خاصة، والمنادية بحالة انفصالية عن إطار العروبة والإسلام والانتماء الوطني، وهذا هو توجّه جميع القيادات المعروفية الأصيلة، على أمل أن يعي العالم من حولنا أهمية الحفاظ على هذه الجماعة العربية المتميزة بدورها وتاريخها، وأن يعي إخواننا الموحّدون، أينما كانوا، مخاطر الانجرار في سياق مشاريع عدوانية تهدف إلى تبديل قوميتهم التاريخية، وإلى سلخهم عن أوطانهم، وإلى قطع جسور الثقة بينهم وبين المكوّنات الوطنية التي اعتادوا أن يتفاعلوا معها بعيداً عن الخوف وانعدام الثقة”.
وتابع: “من هذه المنطلقات والمعطيات، كان لا بدّ لنا في مشيخة العقل والمجلس المذهبي، وعلى الأخص في اللجنتين الدينية والثقافية، من الاهتمام بالشأن الثقافي، إلى جانب ما تقوم به المؤسسات التربوية والجمعيات والأفراد الأكفّاء، وكان لا بدّ لنا من العمل على تحصين المجتمع التوحيدي، والتأكيد على صلاح البيت الداخلي قبل أيّ همّ آخر، بالالتفاف معاً حول القواعد الإيمانية الثابتة والركائز السلوكية الراسخة والجدران الوطنية المتينة، ليبقى هذا البيت التوحيدي متماسكاً، يحتضن أبناءه البررة جميعاً، ويشارك بفعالية في مقاومة الجهل والفتنة وبناء نهضة الوطن.
على هذا التوجّه، ومن أجل تلك الغاية، عقدنا العزم ونعقده، في حمى الأمير السيّد جمال الدين عبد الله التنوخي (ق) علم الأعلام وصاحب أعلى مقام في مسلك التوحيد، والذي شقّ لنا الدرب وأنار السبيل وعبّد الطريق، والشيخ الفاضل محمد أبو هلال (ر) صاحب السيرة العرفانية العطرة، مَن بخصاله يُقتدى وبعلمه يُهتدى، والذي استحق أن يسمّى جبل الشيخ باسمه، وفي حمى أمّنا الرمز الست سارة (ر) صاحبة العفاف والطهارة التي نستظلّ بركة مزارها اليوم، وهي من كان لها الفضل في حمل الأمانة التوحيدية وزرع بذورها الأولى في أرض وادي التيم، وفي حمى السلف الصالح من مشايخنا الأجلّاء الثقات حرّاس العقيدة والأرض والمجتمع”.
وختم: “ها نحن نفتحُ البابَ في هذه المراكز الثقافية لطالبي المعرفة، آملين من مشايخنا الأجلَّاء ومن أهلِنا الأفاضلِ الاحتضانَ والدعمَ والدعاء، كما تكرَّم بذلك معالي الأستاذ وائل أبو فاعور بدعمِه ومساندته منذ انطلاق فكرةِ هذا المركز الثقافي، فكان حاضناً ومُشجِّعاً، وواكبَ العملَ منذ الخطوةِ الأُولى بشغفٍ وإصرار، فله منّا الشكرُ والتقدير، والشكرُ موصولٌ لبلدية ضهر الأحمر وللجنة الوقف القيّمة على هذا المزار المبارَك، وللجنة التنسيق التي ستتابع نشاطَ المركز، بالتعاون مع اللجنة الدينية في المجلس المذهبي المشرفة على جميع المراكز من خلال المصلحة الدينية والتربوية في المديرية العامة، ومع الأساتذة المحاضرين، علَّنا ننجح معاً فنُؤجَرُ معاً. فلنكنْ واثقين بأنفسنا، متأكّدينَ بأنّ اللهَ معنا، وبأنَّ ضجيجَ التواصلِ الاجتماعي سيزولُ أمام وحدتِنا، والأزماتِ ستهونُ أمام تصميمِنا، واسمحوا لي أن أختم ببعض ما قلت لوادي التيم الحبيب: أنا لو جئتُ من جبلٍ أصيلٍ، فوادي التيمِ مُجتمعي الأصيلُ، هنا وهناك تاريخٌ وإرثٌ وسِرٌّ، لا تُغيِّره الفصولُ هو التوحيدُ يجمعُنا، سويّاً تَزولُ العادياتُ ولا يزولُ. مباركٌ الافتتاح، مباركٌ المركز، والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه”.
كلمات في المناسبة
وكان الحفل قد استُهلّ بآيات من الذكر الحكيم تلاها الشيخ باسم أبو كروم، وبتقديم من رئيس المصلحة الدينية والتربوية في المجلس المذهبي الشيخ فاضل سليم، الذي اعتبر أن “افتتاح المركز يكتسي أهمية كبيرة من حيث الزمان الذي يربط بين الماضي والحاضر، والمكان في المزار الذي ليس حيّزاً فقط، بل ذاكرة روحية، وافتتاح باب جديد أمام المعرفة والشباب والحوار، تحت عنوان لسؤال، وهو: كيف نحمي ديننا وهويتنا وتراثنا بأمانة من غير أن نجعل من التراث جموداً ومن الحداثة انقطاعاً عن الجذور؟”.
محمود
وألقى كلمة “لجنة التنسيق” في المركز الشيخ هاني محمود، قائلاً: “إنه ليوم جمعة مبارك بقدومكم وتشريفكم منطقة راشيا، وبحضوركم المفعم بالمحبة والخير، إذ توجتموه بزيارة مزار الست سارة، فببلدة ضهر الأحمر المعطاءة، ووسط أهلها الكرام، لنشهد معاً افتتاح مركز الثقافة التوحيدية، هذا الصرح الثقافي والمعرفي، الذي نأمل أن يكون منارةً للعلم، ومنبراً للفكر، وحاضنةً للقيم، وجسراً يصل بين أصالة تراثنا التوحيدي ومتطلبات عصرنا الحديث. إن هذا المركز هو ثمرة جهود حثيثة لرجالٍ آمنوا بأن الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل هي حاجة إنسانية ووطنية وروحية، وأن المعرفة هي السلاح الأقوى في مواجهة الجهل، وأن الحوار هو الطريق الأقصر نحو التفاهم والوحدة”.
وشدّد محمود على فكرة إنشاء المركز من مشيخة العقل والمجلس المذهبي، “بهدف نشر الثقافة التوحيدية وقيمها الروحية والإنسانية المتأصلة في جذورها الإسلامية والتاريخية والمنفتحة على روح العصر، وتعزيز الوعي الديني والفكري لدى الشباب والأجيال الصاعدة، وحفظ التراث التوحيدي وصيانته من الضياع والنسيان، وتشجيع البحث العلمي والدراسات الثقافية والتاريخية المرتبطة بالتراث التوحيدي، وترسيخ قيم الصدق والأمانة والتسامح والتعاون، وبناء جسور التواصل بين أبناء المجتمع وتعزيز وحدتهم وتماسكهم، وتنظيم الندوات والدورات واللقاءات الثقافية التي ترسّخ الثوابت الإيمانية والأخلاقية، وتعزّز الحوار والتواصل بين أفراد المجتمع”.
بحمد
بدوره، رحّب رئيس بلدية ضهر الأحمر نجيب بحمد، باسم المجلسين البلدي والاختياري والمشايخ ولجنة الوقف، بالإنجاز، وقال: “إن لقاءنا اليوم ليس لقاءً عابراً فحسب، بل هو لقاء يجمع القلوب، ونستمدّ منه معاني الإيمان، وننهل من معين الحكمة والموعظة الحسنة، ونستحضر قيم الرحمة والتسامح ومحبة الخير وخدمة الإنسان. وذلك من خلال افتتاح مركز الثقافة التوحيدية، الذي يحمل نفحة الإيمان، لنستنير من قلوب أهل الخير، ولنعزّز ترابط العائلة، ونسير بما يحفظ مستقبل أولادنا وأبنائنا، في هذه المرحلة الدقيقة التي نعيشها، حيث أصبح التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي جزءاً من حياتنا، وأصبحا حاضرين في تفاصيل حياتنا اليومية”.
وشكر بحمد كل من ساهم في إنشاء الصرح، منوّهاً بعمل لجنة الوقف في البلدة، وآملاً أن تصبح الزيارة تقليداً سنوياً كل عام.
ثم ألقى الشيخ الدكتور رائد القاقون قصيدة من وحي المناسبة، ضمّنها أبياتاً شعرية حول شخصية صاحبة المزار وأهمية المناسبة.
الجردي
وألقى رئيس اللجنة الدينية في المجلس المذهبي الشيخ عصمت الجردي كلمة، قائلاً: “نجتمع في هذا اليوم المبارك، لنعلن عن افتتاح مركز الثقافة التوحيدية ليكون باباً إلى المعرفة وإلى الحوار، ونهجاً يبعث على الإيمان والاطمئنان الحقيقي والاستقرار العقلي، كما قال الله تعالى: ?أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ? (سورة الرعد: 28)، خاصة ونحن أمام عالم تتسارع فيه الإيقاعات، وتتبدّل فيه المفاهيم، وتضطرب فيه البوصلة القيمية لدى الكثيرين، حيث تبقى العودة الواعية إلى الجذور الروحية والأخلاقية ضرورة لا غنى عنها، لأن الدين يبدأ من الداخل، والإصلاح يبدأ من النفس، والكلمة التي لا تتحوّل إلى سلوك تبقى ناقصة الأثر. فالإنسان وحدة متكاملة، له عقل يحتاج إلى المعرفة، وروح تحتاج إلى الإيمان، ونفس تحتاج إلى التوازن، وعلاقات تحتاج إلى الأخلاق”.
وأضاف: “من هذا المنطلق تترسّخ قناعتنا بأن هذه المراكز التوجيهية التي نطلقها تؤدّي دوراً مهماً بما تضيفه إلى العقل من معرفة، وإلى القلب من صفاء، وإلى الأخلاق من فضيلة، وإلى العلاقة مع الآخرين من احترام، لأن هناك فجوة بين معرفة الدين وبين عيش الدين. وقد لخّص القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: ?أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ? (سورة البقرة: 44)، ومن هنا تتعاظم مسؤولية اللجنة الدينية ودور المراكز المعنية بالإرشاد والتوجيه في قدرتها على منح المجتمع مناعة فكرية وروحية وأخلاقية تمكّن الشباب من الانفتاح دون ذوبان، ومن الحوار دون فقدان الهوية”.
وتابع: “إن أملنا في هذا المركز كبير، ونأمل أن تتنوع نشاطاته وأن يقوم عمله على الاستمرارية من خلال لجنة التنسيق المنظمة، والتي تعمل بإشراف اللجنة الدينية ورعاية مشيخة العقل حتى يتحول المركز إلى مشروع مستدام له برامج وأهداف واضحة.
باسمي وباسم إخواني في اللجنة الدينية، لا بد من التعبير عن تقديرنا الكبير لمعالي الأستاذ وائل أبو فاعور، للاهتمام الذي أبداه ويبديه لانطلاق هذا المركز ومواكبة عمله، ولكل من ساهم في تحقيق هذه الفكرة إلى مكان فاعل يخدم الشباب والمنطقة. كما نتوجه بالشكر والتقدير إلى سماحة شيخ العقل على اهتمامه الدائم ورعايته لهذه المراكز ولبرامج الإرشاد والتوجيه التي تستهدف المدارس الرسمية، لقناعة سماحته المتزايدة بأهمية تقديم خدمة التثقيف وبناء الوعي وحماية الأجيال. وكما قال الشيخ الفاضل محمد أبو هلال، رضي الله عنه: إن العلم ثمرة الروح وبه حياتها، ومنه يكون نجاتها، وهو غذاؤها وبه بقاؤها ونماؤها”.
وختم: “نسأل الله تعالى أن يبارك هذا العمل وأن يجعله منارة للعلم والمعرفة، وأن يوفق القائمين عليه إلى حمل الأمانة بإخلاص وحكمة، وأن يجعل ما نقوم به جميعاً في ميزان الخير وخدمة الإنسان والمجتمع”.
زيارات
وكان شيخ العقل قد استهلّ جولته في منطقة راشيا على رأس وفد من أعضاء مجلس الإدارة والمجلس المذهبي ومشايخ ومستشارين، بزيارة الشيخ الجليل أبو حمد جميل برغشة في بلدة بكيفا، فزيارة خلوة حي الشرفة في بلدة راشيا ولقاء مشايخها، ثم مزار “الست سارة” في ضهر الأحمر، لتُختتم الجولة بافتتاح مركز الثقافة التوحيدية المجاور.



