الحياة وعكسها … والروح ومقامها
بقلم// د. حسان فلحة
في قناعة الاعتقاد الإنسانيّ ومسلمات قبوله ، يذوي الجسد ويضمحل ، وغالبا ما ينتهي إلى حفنة من تراب ، ربما يكون رطبا او جافا ، غامقا او فاتحا، او كبشرة مترددة ،متحيرة و ضائعة ،تختلط عليها رائحة الألوان ،
و الروح تبقى بعده ( الجسد) ، وقبله قد كانت . منذ ان نفخها في آدم ، و هي اسبق من جسد أفلاطون و اوسع منه ،او هي نَفْسُ أرسطو ، ” مبدأ الحياة في الكائن الحي “.
لماذا دائما الحنين للجسد ، والأسية في بقاء الروح وهيامها .
لماذا ينزوي الفرد في وحدته بين الجماعة وهو يبتعد عنها؟و تبقى ذاكرته ومخيلته ملتصقتين بها ، و بما تقول الجماعة او تحكمه ، هي الحياة وعكسها ، تضادُ التمرد في صبابة الحنين ، وتجانسُ التعاكس في تغير ظروف حياة الإنسان ، وجها لوجه . الحياة و الموت ، افتراضيا ، الأخير خارج مجرة الوجود المادي .الروح هي السر الأعظم في الحياة لا يحوطها اركانُ الوصف المادي ، ولا يبلغ الإنسان إدراكها إلا لممُ النقل في توارث الاعتقاد لا في ما رأى العقل ، وما اوتي “من العلم إلا قليلا ” . الجسد والروح هما وعاء الإنسان وسره ، مقامهما ، عقدة الخوف المزمنة من الفناء ، و غريزة حب البقاء السرمدية، حتى لو طغى الظن المريب في سلم الاعتقاد البشري
ان الموت نهاية مقام وبداية آخر ، وعلى قاعدة ارتقاء نشوء الاقتناع الزمني ان مقام الروح السفر والترحال،
. لقد أجادت المجتمعات القديمة والحديثة على تنوعها واختلافها في صناعة أساطير الموت والبعث ، يسقط الجسد ببلوغ ذروة النهاية او أقصى العمر ، و الروح تحلق في فضاء الوجود وتسبح .
الجسد قد يتصف بالطهر او عكسه
لكن الروح منزهة عن التدنيس .
الإنسان يحن إلى ضده ، يملّ من غيبة الحضور ، ويشتاق في حضرة الغياب .
ما بعد الحياة ، او الحياة بعد الموت ، وانتقال الروح ، هي مسلمات فكرية لاعتقادات يصعب إثباتها او المحاجاة بقبولها إلا بالرضى والتسليم ، او بالخوف من المجهول البعيد . هي الحيرة الكبرى للإنسان. و قد تكون لكل كائن حي .
بعيدا عن حسمية المعتقدات وحتمية الاديان ، و ما يعزوه الفيلسوف الاسكندراني -اليوناني (بلوتينوس)،أفلوطين من تخمينات عندما لا يعري الروح من انتمائها إلى العالم الاعلى بعدما جاءت إلى العالم الاسفل ، إذ لم تنقطع في جزئها الأعلى من اللجوء إلى الأعلى حتى في سَجنِها داخل الجسد ، وهذا ما اسمته العرب بالهامَة ، تشاهد و تصف ، تنقل من دون غيبة او نميمة ، مؤتمنة على وقائع الدنيا وترسلها إلى العالم الأعلى ،
انها روح بلا روح وتأكيدا ،روح بلا جسد .
أبدية السؤال الحائر، اين كانت الروح قبل الجسد ؟ واين تغدو بعده ؟
هل هي حصرية بوجودها بجسد واحد ام هي روح واحدة بأجساد متعددة ؟ ام تتنقل و تتقمص ترحل او تعود ؟ و منها ما يستقيم في الجميل ، ومنها ما يستقر في البشع ، و منها روح تعتلي على جسد القصير ، ومنها ممشوقة على قده الطويل . هذه الروح ذاتها هل تُخَيّر في الانتقال بين جسدي عدوين لدودين ، بين القاتل والقتيل ، او تسكن الجسدين معا ؟ ولما لا ؟ هل سكنت في جسد قاتل و قاس ؟ ام سئمت من جسد عاشق مرهف ؟ ربما عاشت معاناة فقر ، وربما أتخمها فحش غنى . هذا الفضل اتى هنا من يشاء ، وهذا الجحود اتى هناك من يشاء .هل خبرت جسد الأنثى وغوايته ؟ هل استشاطت من ذكورية جسد الرجل .
الاديان أعطت ،وكذلك المذاهب ،اجاباتٍ كثيرةً لكنها متجانسةٌ متطابقة، و حتميةٌ حاسمة بلا عناء في طرح الاسئلة ، واذا طرحت ، فالقناعة مسيّرة بقبولها ان يرضى السائل و يستكين المجيب ،
جسد هذا الانسان و روحه ، ادراك ذهني راسخ تتنازعه ،غريزةٌ يكبتها و أخلاقٌ يرتضيها ، الصعب جدا لا المؤلم جدا ان تكون الروح تهوى جسدا غير الذي أتته ، يأتي الثنائي إلى الحياة و الوجود على امل اللقاء ، و يرحل عنهما ، على امل اللقاء ايضا . وما تفعل الجماعة في روح الفرد ؟ هل يستعين بها في درء الخوف من الفناء و توسل الحنين الدائم إلى البقاء .
لو اقتنع الإنسان ان الموت ليس فراقا أبديا لما كان يعيش الحزن الأكبر عند غياب الروح .
كلنا سيكون مرة جسدا بلا روح او روحا فارقت الجسد إلى الابد ، الامل باللقاء الأكبر وهذا ميعاد الإنسانية العظيمة.
المدير العام لوزارة الإعلام
البروفيسور حسان فلحه
“النهار”


