الاستقالة أفضل بكثير من الاعتكاف…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
في الحياة السياسية، هناك مواقف لا تُقاس فقط بما تقوله، بل بما يترتب عليها من مسؤولية. ومن هنا، فإن الفرق بين أن يعتكف المسؤول وأن يستقيل ليس تفصيلاً في الشكل، بل هو فرق في مفهوم المسؤولية نفسها.
اليوم، عاد هذا السؤال إلى الواجهة في لبنان مع إعلان وزير الطاقة والمياه جو الصدّي اعتكافه عن حضور جلسات مجلس الوزراء، إلى حين اتخاذ قرارات يعتبرها ضرورية لمعالجة أزمة الكهرباء وتأمين استمرارية التغذية وحماية المواطنين من أعباء إضافية، مع تأكيده أنه سيواصل ممارسة مسؤولياته في الوزارة.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الذي يتجاوز شخص الوزير وموقفه إلى قاعدة يفترض أن تحكم العمل الوزاري والسياسي:
ماذا يعني أن يعتكف وزير عن جلسات مجلس الوزراء، لكنه يبقى وزيراً ويمارس صلاحياته؟
الاعتكاف في الحياة السياسية قد يكون وسيلة احتجاج، وقد يكون رسالة اعتراض، وقد يكون محاولة للضغط على الشركاء في السلطة من أجل تغيير موقف أو اتخاذ قرار.
لكن المشكلة ليست في حق المسؤول في الاعتراض.
المشكلة في العلاقة بين الاعتراض والمسؤولية.
فالوزير لا يكون وزيراً فقط عندما توافق الحكومة على ما يطرحه، ولا تكون مشاركته في الحكومة مرتبطة بمدى استجابة الآخرين لمطالبه. هو جزء من سلطة تنفيذية جماعية، ووجوده في مجلس الوزراء ليس امتيازاً شخصياً، بل جزء من موقع يرتبط بمسؤولية إدارة شؤون الدولة.
فإذا اختلف، من حقه أن يعترض.
وإذا لم يقتنع، من حقه أن يقول لا.
وإذا رأى أن قراراً ما يضر بالمصلحة العامة، فمن واجبه أن يرفع صوته وأن يسجل موقفه.
لكن ماذا بعد؟
هنا يصبح السؤال أكثر صعوبة:
إذا كان لا يستطيع أن يشارك في القرار، فهل يبقى في الموقع؟
الاستقالة في هذه الحالة ليست هروباً من المسؤولية، بل قد تكون ذروة تحمّل المسؤولية.
فالوزير الذي يستقيل يقول بوضوح:
أنا لا أستطيع أن أكون جزءاً من قرار لا أؤمن به، ولذلك أضع استقالتي أمام من يملك صلاحية قبولها أو رفضها.
أما الاعتكاف فيترك الباب مفتوحاً على صيغة مختلفة:
أنا أرفض المشاركة، لكنني لا أترك الموقع.
وهنا تكمن المفارقة.
كيف يمكن لمسؤول أن يقول إنه يرفض قرار المؤسسة التي هو جزء منها، فيمتنع عن المشاركة في اجتماعاتها، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بموقعه وصلاحياته ومسؤوليته؟
قد يكون الاعتكاف احتجاجاً سياسياً، لكن السؤال يبقى: هل يجوز أن تتحول أداة الضغط إلى طريقة للإمساك بالموقع من دون ممارسة كامل مقتضياته؟
هنا يصبح الأمر متعلقاً بمفهوم الدولة.
الدولة لا يمكن أن تعمل بمنطق:
أشارك عندما أوافق، وأعتكف عندما لا أوافق، وأبقى في الموقع في الحالتين.
وإلا تحولت المؤسسات إلى مجموعة مواقع منفصلة، لكل مسؤول فيها شروطه الخاصة للمشاركة.
وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب العمل الحكومي: أن تتحول المسؤولية الجماعية إلى مسؤوليات انتقائية.
الاستقالة موقف، والاعتكاف ضغط
الاستقالة قرار واضح في دلالته السياسية: المسؤول يخرج من الموقع لأنه لم يعد قادراً على الاستمرار ضمن الخيارات المعتمدة.
أما الاعتكاف فهو وسيلة ضغط لإجبار المؤسسة على مراجعة موقفها.
وفي السياسة قد يكون الضغط مشروعاً، وقد تكون أدوات الاعتراض مشروعة، لكن السؤال يبقى:
هل يجوز أن يتحول الاعتراض إلى صيغة تبقي المسؤول داخل السلطة وخارج المشاركة في الوقت نفسه؟
وهنا تحديداً تصبح الاستقالة أكثر وضوحاً.
لأن الاستقالة تنقل الخلاف إلى مكانه الطبيعي: المسؤول يعلن أنه لم يعد قادراً على الاستمرار ضمن هذه السياسة، ويترك للمؤسسة أن تتخذ قرارها.
أما الاعتكاف فيبقي المسؤول داخل السلطة، لكنه يمتنع عن المشاركة في إحدى أهم ساحات اتخاذ القرار.
لكن ماذا عن الوزير الصدّي؟
من الإنصاف ألا نحول المقال إلى حكم على شخص الوزير أو على مطالبه.
فالوزير يرى أن أزمة الطاقة تحتاج إلى قرارات واضحة، وأن عدم اتخاذها قد يحمّل المواطن كلفة إضافية. وهذا موقف سياسي يمكن مناقشته، كما يمكن مناقشة الحلول التي يقترحها والخيارات التي يدعو إليها.
وجوهر المشكلة التي يطرحها الوزير ليس بلا أهمية.
لكن صحة المشكلة لا تحسم بالضرورة صحة الوسيلة.
وهنا تحديداً يجب أن يكون النقاش.
إذا كان الوزير مقتنعاً بأن الحكومة لا تتحمل مسؤولياتها تجاه قطاع الطاقة، وأن قراراتها تضع المواطن أمام أعباء إضافية، وأن استمرار الوضع سيؤدي إلى أزمة أكبر، فهناك سؤال مشروع:
لماذا الاعتكاف وليس الاستقالة؟
إذا كانت الاستقالة ستفقده القدرة على التأثير في الملف، فقد يكون لديه تفسير سياسي للتمسك بموقعه. وإذا كان يرى أن وجوده داخل الوزارة ضروري لحماية المرفق العام ومصالح المواطنين، فهذا موقف يمكن مناقشته.
لكن عندها يبقى السؤال:
كيف يكون وجوده في الوزارة ضرورياً، فيما حضوره في مجلس الوزراء، حيث تُتخذ القرارات الحكومية، يصبح موضع اعتكاف؟
المسؤولية ليست فقط في الوزارة
قد يقول الوزير: أنا وزير الطاقة، ومسؤوليتي أن أدير الوزارة وأحافظ على استمرارية المرفق العام.
صحيح.
لكن الوزير ليس مدير مؤسسة منفردة. إنه عضو في حكومة، والحكومة مسؤولة عن القرارات التي تتخذها.
لذلك لا يمكن فصل مسؤولية الوزارة عن مسؤولية مجلس الوزراء فصلاً كاملاً.
وإذا كان قطاع الطاقة يحتاج إلى قرار من الحكومة، فإن غياب الوزير عن جلسة القرار لا يعفيه من مسؤولية النتيجة، كما أن وجوده فيها لا يعني بالضرورة أنه موافق على القرار.
وهنا تحديداً تكون الاستقالة أكثر وضوحاً من الاعتكاف.
لأن الاستقالة تنقل الخلاف إلى مكانه الطبيعي: المسؤول يعلن أنه لم يعد قادراً على الاستمرار ضمن هذه السياسة، ويترك للمؤسسة أن تتخذ قرارها.
هل كل استقالة أفضل من كل اعتكاف؟
طبعاً لا.
ليس المطلوب تحويل الاستقالة إلى بطولة، ولا الاعتكاف إلى خطيئة سياسية.
هناك ظروف قد يكون فيها الاعتكاف وسيلة احتجاج مؤقتة، وهناك ظروف قد تكون فيها الاستقالة مجرد هروب من تحمل تبعات القرار.
لكن عندما يصبح الخلاف جوهرياً، وعندما يقول المسؤول إنه لا يستطيع أن يكون جزءاً من المسار القائم، فإن السؤال يصبح أخلاقياً وسياسياً قبل أن يكون دستورياً:
هل يبقى في الموقع أم يتركه؟
لأن الموقع العام ليس ملكاً لمن يشغله.
الموقع تكليف.
والتكليف يعني أن يتحمل المسؤول تبعات المشاركة كما يتحمل تبعات الاعتراض.
في لبنان، نحتاج إلى إعادة تعريف معنى المسؤولية
المشكلة اللبنانية ليست فقط في الكهرباء أو الطاقة أو القرارات الحكومية.
المشكلة الأعمق هي أننا اعتدنا على منطقة رمادية في العمل السياسي:
لا استقالة كاملة، ولا مشاركة كاملة.
لا انسحاب من السلطة، ولا تحمل كامل لمسؤولياتها.
لا موافقة على القرار، ولا خروج من الجهة التي اتخذته.
لا أريد أن يتحول الاعتكاف إلى وسيلة جديدة للهروب من وضوح الموقف.
فالمسؤولية لا تكون فقط في أن تقول أنا اعترضت.
المسؤولية أيضاً أن تقول:
وماذا فعلت عندما لم يُؤخذ اعتراضك؟
هل بقيت في موقعك؟
هل شاركت في القرارات التي رفضتها؟
هل واصلت تحمل تبعات سياسة تقول إنك غير مقتنع بها؟
أم اتخذت القرار الأصعب وغادرت؟
لا أريد أن أبقى شاهد زور
وهنا أصل إلى جوهر المسألة.
ما بين تسجيل موقف أو اعتراض، وما بين البقاء في موقع المسؤولية، هناك لحظة يصبح فيها الصمت مشاركة، والبقاء موافقةً ضمنية، حتى لو كان المسؤول قد أعلن اعتراضه.
وهنا لا تعود المسألة:
أأعتكف أم أستقيل؟
بل تصبح أكثر وضوحاً:
هل أبقى في موقع أرفض ما يُتخذ فيه من قرارات، ثم أكتفي بتسجيل اعتراضي، أم أتحمل مسؤولية موقفي وأغادر؟
إذا كنت أرى أن القرار خاطئ، وأن الاستمرار فيه يضر بالدولة والمواطن، وأنني غير قادر على تغييره من داخل المؤسسة، فإن استقالتي تصبح أكثر من مجرد اعتراض.
تصبح شهادة على موقفي.
فالاستقالة تقول:
أنا أختلف، ولا أريد أن أكون شريكاً في ما أرفضه.
أما البقاء، مع الاكتفاء بالقول إنني اعترضت، فقد يجعلني بعد وقت أمام سؤال أصعب:
إذا كنت تعرف أن ما يحدث خطأ، فلماذا بقيت؟
لا أريد أن أكون شاهد زور على قرار أرفضه، ولا أن أحتمي بموقعي فيما أحمّل الآخرين وحدهم مسؤولية ما يحدث.
إذا عجزت عن تغيير القرار، ولم أعد قادراً على تحمّل مسؤوليته، فالاستقالة تصبح موقفي الأخير والأوضح.
فالاستقالة ليست دائماً هروباً من المسؤولية؛ أحياناً تكون أعلى درجات تحمّلها.
أن تستقيل لأنك لم تعد تستطيع أن تكون جزءاً مما ترفض، أشرف من أن تبقى في الموقع، تسجل اعتراضك، ثم تُسأل يوماً:
كنتَ موجوداً… فلماذا بقيت؟
ولهذا، ما بين أن أسجل موقفاً وأبقى شاهداً على ما أرفض، وبين أن أستقيل وأتحمل ثمن موقفي، أختار الاستقالة.
لأنني لا أريد أن أبقى شاهد زور.
وفي الدولة، قد يخسر المسؤول منصبه باستقالته، وقد يخسر نفوذه، وقد يخسر قدرته على التأثير، لكنه في المقابل يحافظ على وضوح موقفه وعلى حقه في أن يقول:
أنا رفضت، وعندما عجزت عن تغيير ما أرفضه، لم أبقَ شريكاً فيه.
فبين الاعتكاف والاستقالة، وبين تسجيل موقف وتحمل تبعاته، تبقى القاعدة التي يجب ألا تضيع:
إذا كان الموقع مسؤولية، فلا يجوز أن نتمسك بالموقع ونتخلى عن المسؤولية.
وإذا أصبح البقاء في الموقع متناقضاً مع القناعة، فالاستقالة أشرف من الاعتكاف.
فالاستقالة ليست انسحاباً من المسؤولية… أحياناً تكون إعلاناً بأنك لن تكون شريكاً في ما ترفض، ولن تبقى شاهداً زور.



