مقالات

من هرمز إلى الرياض.. هل بدأت الحرب تفرض شروط التسوية؟

بقلم// الإعلامي خضر رسلان

ثمة لحظة في كل مواجهة يصبح فيها استمرار الحرب أصعب من بدءها. وعلى امتداد المنطقة، تتجمع اليوم إشارات يصعب وضعها في خانة واحدة: قواعد أميركية تتعرض للضغط، منشآت نفطية سعودية تدخل دائرة الاستهداف، مضيق هرمز يزداد حساسية، والبحر الأحمر يتداخل مع مسارات المواجهة، فيما تواصل جبهة جنوب لبنان استنزاف الاحتلال. وبين هذه الجبهات المتشابكة، تتسع دائرة المخاطر بحيث لا تعود واشنطن قادرة على التعامل معها كساحات منفصلة.
هذه المعادلة تعيد التسوية إلى واجهة المشهد، لا باعتبارها تنازلاً أميركياً أو تراجعاً أمام إيران، بل باعتبارها خياراً تفرضه الحسابات عندما تبدأ الحرب بإنتاج أثمان تتجاوز أهدافها الأصلية. فواشنطن تستطيع توسيع نطاق الضغط، لكنها في المقابل مطالبة بحماية قواتها وقواعدها وحلفائها، وتأمين طرق الطاقة والملاحة، ومنع انتقال المواجهة إلى ساحات يصعب ضبطها. وهنا يصبح السؤال: كيف يمكن تحقيق الأهداف السياسية من دون الانزلاق إلى حرب تستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية وتوسّع دائرة المخاطر؟
في هذا السياق، تبرز إيران باعتبارها العقدة الأساسية في مسار التفاوض والتصعيد معاً. فالحديث الأميركي عن أن طهران تخلت عملياً عن خطط امتلاك سلاح نووي يفتح سؤالاً بالغ الأهمية: إذا كان الملف النووي قد فقد، وفق التوصيف الأميركي نفسه، جزءاً أساسياً من مبررات الحرب، فما الذي يبرر استمرار التصعيد؟ وهل يمكن أن تبقى المواجهة مفتوحة من دون هدف سياسي واضح يمكن تحويله لاحقاً إلى اتفاق؟
بالنسبة إلى إيران، لا تبدو المفاوضات مجرد وسيلة للخروج من الحرب، بل اختباراً لقدرة الطرف الأميركي على تقديم ضمانات حقيقية. فطهران لا تحتاج إلى اتفاق ينهي جولة من القتال ليبدأ بعدها ضغط جديد تحت عناوين مختلفة. ولذلك فإن أي تفاهم قابل للحياة يحتاج إلى معالجة أوسع للعقوبات والضمانات ووقف الأعمال العسكرية على مختلف الجبهات، بحيث لا يتحول الاتفاق إلى هدنة مؤقتة تسمح بإعادة إنتاج أسباب الصراع.
ومن هنا، تصبح عودة الاتصالات المرتبطة بتفاهمات إسلام آباد أكثر من محاولة لتجميد التصعيد. فالولايات المتحدة تحتاج إلى مخرج يحفظ لها موقعها، فيما تحتاج إيران إلى ضمانات تمنع استخدام التفاوض غطاءً لجولة جديدة من الضغوط. وبين الطرفين، تبرز الحاجة إلى صيغة تستطيع تحويل القوة العسكرية إلى مكسب سياسي، بدلاً من استمرار الاستنزاف من دون سقف واضح.
أما السعودية، فتجد نفسها في قلب المعادلة بصورة مباشرة. فالمخاطر التي تطاول المنشآت النفطية والمطارات وخطوط النقل والطاقة لا تنفصل عن مصالح الدولة الاقتصادية والأمنية. والرياض التي بنت خلال السنوات الماضية رهانات واسعة على الاستقرار والاستثمار وتنويع الاقتصاد، ليست معنية بتحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة تهدد مشاريعها ومكانتها الإقليمية.
لذلك، فإن الحساب السعودي لا يختزل في الموقف من طرف أو آخر، بل ينطلق أساساً من حماية الدولة ومؤسساتها وأمنها وقدرتها على مواصلة مشروعها الاقتصادي. وكلما اقتربت تداعيات الحرب من هذه المصالح، ازدادت قيمة المسار السياسي بالنسبة إلى الرياض، لا كخيار دبلوماسي فحسب، بل كجزء من حماية الاستقرار الذي تحتاج إليه المملكة لإنجاح تحوّلاتها الاقتصادية والتنموية.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الدور السعودي في أي ترتيبات إقليمية مقبلة. فالمملكة ليست معنية بحرب طويلة، كما أنها لا تستطيع تجاهل التحولات التي تفرضها المواجهة على أمن الخليج والطاقة والملاحة. وإذا اتسعت المخاطر، يصبح دعم مسار سياسي يخفف التصعيد ويحفظ مصالح المنطقة أقرب إلى ضرورة استراتيجية منه إلى مجرد موقف تفاوضي.
ويزداد المشهد تعقيداً مع مضيق هرمز. فالمسألة لا تتعلق بالنفط وحده، بل بحركة التجارة والتأمين والنقل والأسواق وسلاسل الإمداد. وأي اضطراب طويل في المضيق ينعكس على الخليج والبحر الأحمر معاً، ويجعل الفصل بين الجبهات أمراً بالغ الصعوبة. ولذلك فإن احتواء جبهة واحدة وترك أخرى مشتعلة قد لا يكون كافياً، لأن الضغوط الاقتصادية والأمنية تنتقل من مسار إلى آخر.
ومن هذه الزاوية، يكتسب التفاهم المرتبط بإسلام آباد أهمية إضافية. فالمطلوب ليس مجرد هدنة مؤقتة، بل إطار أوسع يربط وقف الحرب بضمانات سياسية وأمنية، ويمنع إعادة إنتاج أسبابها بعد فترة قصيرة. وكلما تعددت الساحات المتأثرة بالمواجهة، أصبحت الحاجة أكبر إلى صيغة تتعامل معها ضمن رؤية واحدة، بدلاً من تسويات جزئية قابلة للانهيار.
وهنا لا يمكن تجاوز لبنان. فالجبهة الجنوبية تقدم مؤشرات على أن الاحتلال يواجه كلفة ميدانية متزايدة، فيما يبقى استمرار القتال عاملاً مؤثراً في أي حسابات إقليمية. وما دامت هذه الجبهة مفتوحة، فإن أي تسوية تعالج العلاقة الأميركية ـ الإيرانية أو أمن الخليج وتترك لبنان خارجها ستبقى ناقصة، لأن الترابط بين ساحات المنطقة أصبح جزءاً من طبيعة الصراع نفسه.
لذلك، فإن السؤال الأهم لم يعد قدرة واشنطن على مواصلة التصعيد، بل قدرتها على إدارة نتائجه إذا طال أمده. فكل جولة جديدة قد تمنحها هامش ضغط قصيراً، لكنها في الوقت نفسه تفرض أعباء إضافية على الانتشار العسكري والحلفاء والطاقة والملاحة والاقتصاد. ومع مرور الوقت، قد يصبح الحفاظ على المكاسب السياسية أصعب من تحقيقها بالقوة.
ومن هرمز إلى الرياض، مروراً بإيران والبحر الأحمر ولبنان، تتشكل معادلة جديدة: الحرب التي كان يفترض أن تفرض شروطها على الخصوم قد تجد نفسها تفرض شروط التسوية على أصحابها. وعند هذه النقطة تحديداً، تصبح المفاوضات ليست علامة ضعف، بل محاولة لتحويل واقع عسكري مكلف إلى اتفاق سياسي قابل للحياة.
قد لا تكون التسوية قريبة، وقد تسبقها جولات إضافية من التصعيد، لكن المؤكد أن كلفة الحرب دخلت بقوة في حسابات القرار. وكلما اتسعت الجبهات، تقلصت مساحة المناورة، وبرزت الحاجة إلى اتفاق لا ينهي القتال فحسب، بل يعالج أسبابه ويمنع المنطقة من العودة إلى نقطة الانفجار نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى