مقالات

خطرٌ وجودي… أم أنتم الخطر الوجودي؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

هل تدركون ماذا يعني “خطر وجودي”؟ أم أنكم لا تجرؤون حتى على التفكير في معناه؟
هناك جريمة كبرى تُرتكب بحق شعبٍ كامل، جريمة لا تبدأ من الحدود ولا تنتهي عند السلاح، بل تبدأ من الداخل؛ من دولةٍ جرى إضعافها، ومؤسساتٍ جرى تفريغها، وجيشٍ يُطلب منه أن يحمي الوطن فيما يُترك وحيدًا أمام أزمات تفوق قدراته.
هل تدركون ماذا يعاني الجيش اللبناني؟
هل تدركون حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه؟
أم أن بعضكم يريد له أن يبقى في هذه الحالة؟
لقد تاجرتم بكل شيء… حتى بالوطن.
خفضتم حيطان الدولة حتى أصبح كل عابر سبيل قادرًا على القفز فوقها، ثم استيقظتم اليوم خجلًا، بعدما كان معظمكم شريكًا في صناعة الواقع الذي نعيشه.
والمفارقة أن من حذّر من بعض هذه المخاطر في وقت مبكر، اتُّهم بالعنصرية والتطرف، بينما كانت الوقائع تتقدم بسرعة أكبر من قدرة السلطة على الاعتراف بها.
اليوم، بدل أن نسأل: من أين جاء الخطر؟
علينا أن نسأل سؤالًا أكثر قسوة:
من الذي سمح بأن يصبح لبنان مكشوفًا إلى هذا الحد؟
شركاء الجريمة لا يمكن أن يتصرفوا وكأنهم خارجها. والمسؤولية السياسية لا تُقاس فقط بما فعله المسؤول بيده، بل أيضًا بما سمح بحدوثه وهو في موقع القرار.
كيف ستقنعون المسيحي اللبناني بأنه لا خطر وجوديًا عليه، فيما يشعر جزء كبير منه أن تركيبته ووجوده ومستقبله مهددة؟
وكيف ستقنعون شريكه في الوطن بأن الخطر عليه أيضًا، إذا بقي كل فريق ينظر إلى لبنان من نافذة طائفته ومذهبه ومصلحته؟
إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن ندفع اللبنانيين، بالخوف وانعدام الثقة، إلى البحث عن خلاصهم خارج الدولة: هذا إلى فدرالية، وذاك إلى كانتون، وآخر إلى التقسيم.
وهنا تصبح المسؤولية مضاعفة.
فليس الخطر الوجودي فقط أن يخسر لبنان أرضًا أو سيادة، بل أن يفقد اللبنانيون الإيمان بإمكان العيش معًا داخل دولة واحدة.
وعندما يصل المواطن إلى هذه القناعة، يكون الانهيار قد بدأ من الداخل قبل أن يبدأ على الحدود.
أنتم، برعونتكم، وبسوء إدارتكم، وبجبنكم السياسي، وبمصالحكم المتشابكة، تدفعون الناس إلى السؤال عن البديل من الدولة بدل العمل على إنقاذ الدولة.
لكن المشكلة لا تتوقف هنا.
في معظم الدول التي تحترم مؤسساتها، هناك قواعد واضحة لتضارب المصالح. لا يجوز لمن يتولى مسؤولية عامة أن يبقى في موقع يمكن أن يستفيد فيه من القرار الذي يصدر عنه.
فكيف يستطيع وزير أن يحكم بتجرد إذا كان، مثلًا، شريكًا في شركة تعمل في القطاع الذي يشرف عليه؟ وكيف يمكن لوزير للرياضة أن يتخذ القرار بعيدًا عن الانحياز إذا كان مرتبطًا بأحد الأندية المنافسة؟ وكيف يمكن لوزير الصحة أن يكون محايدًا إذا كان يملك مستشفى أو مصلحة مباشرة في القطاع الذي ينظمه؟ وكيف يمكن لنائب يمارس التجارة أن يضع المصلحة العامة فوق مصلحته الخاصة عندما تتقاطع القرارات التشريعية مع مصالحه التجارية؟
هذه أمثلة على تضارب المصالح، وليست اتهامًا لأشخاص محددين.
لكن السؤال يبقى:
كيف نطلب من الدولة محاربة الفساد، بينما تسمح تركيبتها بتداخل السلطة مع المصالح الخاصة؟
كيف نطلب من الطائفي أن يمارس العدل بين اللبنانيين؟
كيف نطلب من الفاسد أن يحارب الفساد؟
كيف نطلب ممن ينظر إلى لبنان من زاوية مذهبية أو طائفية أن يبني دولةً لكل اللبنانيين؟
وكيف نطلب ممن يرى الوطن حصصًا ومربعات نفوذ أن يدافع عن لبنان الـ 10452 كلم² كمساحة واحدة وشعب واحد ومصير واحد؟
هنا تكمن المعضلة الحقيقية.
ليس المطلوب أن نخوّف اللبنانيين من بعضهم.
المطلوب أن نُعيد بناء الثقة بينهم.
وليس المطلوب أن نقول للمسيحي: “لا تخف”، ثم نترك أسباب الخوف قائمة.
ولا أن نقول للمسلم: “أنت شريك كامل”، بينما يشعر أن الدولة لا تعمل إلا وفق موازين القوى.
المطلوب هو دولة تجعل المواطن، أيًا كان انتماؤه، يعرف أن حقوقه مصونة بالقانون، وأن أمنه تحميه المؤسسات، وأن الجيش هو جيش الوطن، وأن القضاء هو قضاء الوطن، وأن الإدارة هي إدارة الوطن، وأن المسؤول موجود لخدمة الدولة لا الدولة لخدمة المسؤول.
لبنان الجديد لن يولد من التخويف المتبادل، ولا من الفدرالية المفروضة بالخوف، ولا من التقسيم الذي يصنعه اليأس.
لبنان الجديد قد يولد من هذا المخاض، نعم، ولكن بشرط واحد:
أن نفهم أخيرًا أن الخطر الحقيقي على وجود لبنان ليس في اختلاف اللبنانيين، بل في تحويل اختلافاتهم إلى أدوات للسلطة والمصلحة والنفوذ.
لقد تاجرتم بكل شيء…
فلا تتاجروا بعد اليوم بالخطر الوجودي.
لأن السؤال الذي يجب أن يُطرح أمامكم ليس:
أين الخطر الوجودي؟
بل:
مَن صنع البيئة التي أصبح فيها اللبناني يسأل أصلًا: هل ما زال لي مكان في هذا الوطن؟
ومن هنا تبدأ مسؤوليتكم.
فأنتم، قبل غيركم، من يجب أن يجيب.
واللبناني الذي صبر طويلًا، قد لا يبقى مستعدًا لدفع ثمن أخطائكم إلى ما لا نهاية.
وقد يكون لبنان الجديد هو الوليد الحقيقي لهذا المخاض؛ لبنان الدولة، لا المزرعة، لبنان الـ10452 كلم²، لا المربعات الطائفية، ولبنان المواطن، لا الرعية.
فاحذروا… لأن الشعوب عندما تفقد ثقتها بدولتها، لا تسأل طويلًا إن كان التغيير ممكنًا، بل تبدأ بالسؤال: ماذا بعد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى