العلامة فضل الله: على الدولة دراسة خياراتها في التعامل مع المرحلة المقبلة وألا يبقى رهانها على مفاوضات يتنصل العدو منها
ألقى العلامة السيّد علي فضل الله خطبتي صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، في حضور شخصيّات علمائيّة وسياسيّة واجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين. ومما جاء في خطبته السياسية: “عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بوصيّة رسول الله عندما قال: “عِباد اللهِ، مَن نَقَلَهُ اللهُ مِن ذُلِّ المَعاصي إِلى عِزِّ الطّاعَةِ، أَغْناهُ بِلا مالٍ، وَأَعَزَّهُ بِلا عَشيرَةٍ، وَآنَسَهُ بِلا أَنيسٍ… وَمَن خافَ اللهَ، أَخافَ مِنهُ كُلَّ شَيءٍ، وَمَن لَم يَخَفِ اللهَ، أَخافَهُ اللهُ مِن كُلِّ شَيءٍ، وَمَن رَضِيَ مِنَ اللهِ بِاليَسيرِ مِنَ الرِّزقِ، رَضِيَ اللهُ مِنهُ بِاليَسيرِ مِنَ العَمَلِ… وَمَن زَهِدَ فِي الدُّنيا، أَثبَتَ اللهُ الحِكمَةَ فِي قَلبِهِ، وَأَنطَقَ بِها لِسانَهُ، وَبَصَّرَهُ عُيوبَ الدُّنيا، داءَها وَدَواءَها، وَأَخرَجَهُ مِنَ الدُّنيا سالِمًا إِلى دارِ القَرارِ… وَمَن أَحَبَّ أَن يَكونَ أَعَزَّ النّاسِ، فَليَتَّقِ اللهَ… وَمَن أَحَبَّ أَن يَكونَ أَقوَى النّاسِ، فَليَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ… وَمَن أَحَبَّ أَن يَكونَ أَغنَى النّاسِ، فَليَكُنْ بِما فِي يَدِ اللهِ أَوثَقَ مِنهُ بِما فِي يَدِهِ”. أيّها الأحبَّة، بالأخذ بهذه الوصايا نستطيع أن نكون أقوى على أنفسنا، نمسك بزمام أمرها وقرارها، ونوجّهها إلى حيث يحبّ الله ويرضى، وبالتّقوى نملك القدرة على مواجهة الأعداء، وننتصر، ونواجه التّحدّيات”.
وقال: “البداية، من جنوب هذا الوطن حيث يستمر العدو باعتداءاته عبر الغارات التي تستهدف الأماكن القريبة من المواقع التي يحتلها العدو، فيما تستمر عمليات التفجير والحرق للبنى التحتية والمؤسسات العامة والخاصة والمراكز الصحية والاجتماعية في القرى والبلدات الواقعة تحت سيطرته بهدف تثبيت وجوده فيها. وتبقى الخشية من أن يقدم رئيس وزراء العدو على خطوات تصعيدية لتحسين موقفه قبيل الانتخابات التي ستجري داخل كيانه أواخر الشهر المقبل، ما يستدعي إبقاء الحذر من أي مغامرة قد يقدم عليها. إننا أمام ما يحصل، نعيد دعوة الدولة اللبنانية إلى دراسة خياراتها في التعامل مع المرحلة المقبلة، بعد أن أصبح واضحا أن العدو لن ينسحب من المواقع التي احتلها، وألا يبقى رهانها وحيدا على مفاوضات بات العدو يتنصل منها، ولن تحقق ما تصبو له وما يصبو إليه اللبنانيون وأن تستفيد من أوراق القوة والضغط التي تمتلكها مما يحفظ حق لبنان في أرضه وسيادته عليها، فلبنان ليس ضعيفا إن استنفر مواقع قوته في الداخل والخارج. ويبقى الأساس في ذلك تعزيز وحدتهم الداخلية، بأن لا يكون بأسهم بينهم شديدا بل على عدوهم، وألا يسمحوا للساعين إلى إثارة الفتنة بينهم طريقا إلى تحقيق هدفهم”.
أضاف: “ندعو إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني للقيام بمهماته، في الدفاع عن الوطن وصون أراضيه، ونحن هنا نثمن أي عمل يبذل على هذا الصعيد وحتى لا يحصل فراغ أمني بعد عدم التجديد لقوات اليونيفيل والذي قد يستفيد منه العدو بل يسعى إليه والنفاذ منه لتثبيت احتلاله في الجنوب”.
وقال: “نعود إلى الهم الذي بات يقض مضاجع اللبنانيين، وهو تفاقم الوضع المعيشي بفعل الارتفاع الجنوني الذي يشهدونه في أسعار السلع والمواد الغذائية والمحروقات والكلفة العالية لتحصيل المياه والكهرباء والتعليم والطبابة، في ظل تفشي البطالة والتدني في الرواتب في المؤسسات العامة والخاصة، وهو ما نخشى من تداعياته على الصعيد الاجتماعي أو على الصعيد النقدي والأمني. إننا أمام ما يجري، ندعو الحكومة اللبنانية مجددا إلى تفعيل دورها على هذا الصعيد بتشديدها للرقابة على الأسعار ومنع التجار والمحتكرين من العبث بلقمة عيش المواطنين وصحتهم وحاجاتهم الضرورية وتعزيز المساعدة للطبقات الفقيرة والمستضعفة التي باتت وحسب الإحصائيات تشكل غالبية اللبنانيين، وبإعادة النظر بالسياسة الضريبية التي تفرض على المواطنين والتي باتت تثقل كاهلهم وتزيد من الأعباء عليهم”.
تابع: “نصل الى اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، والذي يعقد في ظل تفاقم الأزمات على صعيد المنطقة والعالم، والتي باتت تهدد أمنه واقتصاده والاستقرار فيه، والذي كنا نريد له أن يسهم في حل مشاكل هذا العالم ومعالجة الأزمات التي تعصف به وإيقاف هذا النزيف الحاصل على الصعيد الإنساني أو الاقتصادي أو العمراني أو البيئي. من المؤسف ألا تمارس الأمم المتحدة دورها بالشكل المطلوب، وأن تتحول من موقع وجد لتحقيق السلام والأمن العالميين وللحوار بين الدول ولرفع الظلم عن كاهل الدول المستضعفة، إلى منصة للتهديد بالحروب أو إيقادها أو تسعيرها ولشرعنة الظلم الجاري في العالم والتغطية عليه. إن ما نشهده يكشف حجم التراجع الذي أصاب دور الأمم المتحدة في ظل هيمنة القوى الكبرى عليها، ويؤكد للدول والشعوب التي تعاني من هذه الهيمنة أن حقوقها لن تصان بالصمت أو انتظار من ينصفها في عالم لا يحترم إلا الأقوياء بل بتوحيد جهودها ورفع صوتها والدفاع عن سيادتها وحقها في تقرير مصيرها حتى لا يبقى القانون الدولي قويا على الضعفاء عاجزا على الأقوياء”.
ختم: “وأخيرا، نستعيد مناسبة السنة الثانية لذكرى استشهاد رمزين كبيرين من رموز هذا الوطن والدفاع عنه حتى الاستشهاد، السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين. إننا في هذه المناسبة الأليمة ومع هذا الفقد للأخوين العزيزين نشعر حجم المسؤولية التي تركاها وأن الوفاء لهما ولكل الشهداء الذين مضوا على هذا الطريق، يكون في الحفاظ على هذا الوطن ووحدته وقوته وعزته وسيادته على أرضه”.



