من هيمنة الدولار إلى النفوذ على النفط هل تتغير أدوات السيطرة الأميركية على النظام العالمي؟
إعداد الباحث: محمد بسام شوكت كبارة
أولًا: مقدمة
يشهد النظام الدولي مرحلة انتقالية تتراجع فيها قدرة قوة واحدة على الانفراد بإدارة العالم، من دون أن تتبلور بعدُ قوة بديلة قادرة على الحلول محلها. فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية والمالية الأبرز، إلى جانب قوى كبرى، مثل الصين وروسيا، وتحالفات عسكرية واقتصادية، في مقدمتها حلف شمال الأطلسي ومجموعة «بريكس»، فضلًا عن قوى إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها.
وفي المقابل، أصيبت المواثيق والمؤسسات الدولية بقدر كبير من العجز، ولا سيما عندما تتعارض قواعد القانون الدولي مع مصالح الدول الكبرى أو حلفائها. ومن هنا يثور السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة المحافظة على موقعها العالمي بالاعتماد على قوة الدولار وحدها، أم أنها تتجه إلى تعزيز نفوذها المباشر وغير المباشر على مصادر الطاقة وطرق نقلها؟
لا تفترض هذه المقالة أن الولايات المتحدة تسيطر فعليًا على النفط العالمي، وإنما تبحث في احتمال انتقال مركز الثقل في استراتيجيتها من الاعتماد شبه المنفرد على مركزية الدولار إلى الجمع بين القوة المالية والنفوذ على الطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
ثانيًا: التراجع النسبي في مركزية الدولار
خرج الدولار من الحرب العالمية الثانية في موقع العملة المركزية للنظام المالي الذي أقامته اتفاقيات بريتون وودز عام 1944. وكان مرتبطًا بالذهب بسعر ثابت، بينما ارتبطت به عملات الدول المشاركة. وفي عام 1971 أوقفت الولايات المتحدة قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، فتحول النظام تدريجيًا إلى أسعار الصرف المرنة.
ومع ذلك، لم يفقد الدولار مكانته؛ فقد استندت قوته إلى حجم الاقتصاد الأميركي، وعمق الأسواق المالية، وانتشار سندات الخزانة، وتسعير نسبة كبيرة من تجارة النفط والسلع به، فضلًا عن الثقة بالمؤسسات الأميركية.
غير أن هذه المركزية بدأت تتعرض لتآكل نسبي. فقد انخفضت حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية إلى نحو 56.77% في نهاية عام 2025، وفق بيانات صندوق النقد الدولي. وهذا لا يعني قرب انهياره، بل يدل على اتجاه بطيء نحو تنويع الاحتياطيات والعملات المستخدمة في المعاملات الدولية.
ويتزامن ذلك مع تجاوز الدين الاتحادي الأميركي 40 تريليون دولار في مطلع سبتمبر 2026، بما يثير تساؤلات متزايدة حول كلفة خدمته واستدامة السياسة المالية الأميركية. لكن ارتفاع الدين لا يعني، بذاته، سقوط الدولار؛ لأن الطلب العالمي على سندات الخزانة يتأثر أيضًا بسيولة السوق الأميركية وغياب بديل مالي يضاهيها حجمًا وعمقًا.
ومن مؤشرات تنويع المخاطر كذلك إعادة البنك المركزي الهولندي توزيع 86 طنًا من احتياطياته الذهبية، كانت محفوظة في نيويورك وأوتاوا، إلى لندن وهولندا. وقد بُررت الخطوة بتعزيز الجاهزية للأزمات وسهولة تداول الذهب. ولذلك ينبغي قراءتها بوصفها احتياطًا استراتيجيًا وتنويعًا لمواقع التخزين، لا دليلًا منفردًا على فقدان الثقة بالدولار.
وفي الاتجاه نفسه، تعمل دول «بريكس»، ولا سيما الصين وروسيا، على توسيع التبادل بالعملات المحلية وتطوير وسائل دفع تقلل المرور بالنظام المالي الأميركي. إلا أن إصدار عملة موحدة للمجموعة ما يزال بعيدًا، بسبب اختلاف البنى الاقتصادية والسياسات النقدية والمصالح الوطنية لأعضائها.
أما العملات الرقمية، وفي مقدمتها البيتكوين، فقد فتحت مجالًا ماليًا جديدًا خارج السلطة المباشرة للمصارف المركزية، لكنها لم تصبح نظامًا عالميًا بديلًا لتسوية التجارة الدولية. كما أن تقلب أسعارها ومحدودية استخدامها الرسمي يمنعان اعتبارها، في المرحلة الراهنة، بديلًا مكتملًا للدولار.
ثالثًا: النفط والممرات بوصفها أدوات قوة
إذا استمر التراجع النسبي لمركزية الدولار، فإن الطاقة تظل إحدى أهم أدوات القوة الدولية. فالدولة المؤثرة في إنتاج النفط والغاز ونقلهما وتأمين طرقهما وتمويل تجارتهما تستطيع ممارسة نفوذ يتجاوز حصتها المباشرة من الإنتاج.
وتتمتع الولايات المتحدة بعدة عناصر قوة في هذا المجال: فهي من كبار منتجي النفط والغاز، ولديها شركات طاقة عالمية، ونفوذ واسع في الأسواق المالية والتأمين البحري، وقدرات عسكرية تؤثر في أمن الممرات الاستراتيجية، وعلاقات وثيقة مع عدد من كبار المنتجين. إضافة إلى سعيها للسيطرة عل نفط فنزويلا بتوقيعها اتفاقات سيطرت فيها بعض شركات النفط الاميركية على هذا القطاع. وإلى تقويض قوة ايران النفطية وجيرانها من دول الخليج عبر حرب المضائق و مصانع اليورانيوم الإيرانية، مما يفتح المجال للتساؤل عن جدية اميركا لإضافة سيطرتها على انتاج وتسويق ونقل البترول ومنتجاته على هيمنتها الدولارية لتبقى القوة العظمى في معظم الميادين.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أهمية الخليج العربي ومضيق هرمز، والعراق وسوريا، وإيران وروسيا وفنزويلا، فضلًا عن طرق نقل الطاقة عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط. فالصراع حول هذه المناطق لا يتعلق بالنفط وحده؛ إذ تتداخل فيه اعتبارات الأمن والتحالفات والعقوبات والتكنولوجيا والنفوذ الإقليمي. ومع ذلك، يبقى التحكم في تدفق الطاقة أو القدرة على تعطيله ورقة مركزية في الصراع الدولي.
ولا يصح القول إن كل حرب أو عقوبة أميركية هدفها الاستيلاء المباشر على النفط. الأدق أن أمن الطاقة وحرية الملاحة ومنع الخصوم من تحويل عائدات النفط إلى قوة سياسية وعسكرية تمثل عناصر ثابتة ضمن الحسابات الاستراتيجية الأميركية.
رابعًا: مواجهة مبادرة الحزام والطريق
أطلقت الصين مبادرة «الحزام والطريق» عام 2013 لإنشاء شبكة واسعة من الموانئ والسكك الحديدية والطرق ومشروعات الطاقة والاتصالات. وفي عام 2017 أُدرجت المبادرة في دستور الحزب الشيوعي الصيني، لا في دستور جمهورية الصين الشعبية بالمعنى القانوني الدقيق.
ولا تقتصر المبادرة على التجارة، بل تمنح الصين نفوذًا طويل الأمد في البنية التحتية والموانئ وسلاسل الإمداد والاقتصاد الرقمي. ولذلك تعاملت الولايات المتحدة وحلفاؤها معها باعتبارها تحديًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا.
ومن أبرز أدوات المواجهة الغربية:
1. إقامة ممرات اقتصادية بديلة، ومنها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
2. إطلاق «الشراكة من أجل البنية التحتية والاستثمار العالمي» من دول مجموعة السبع لتمويل مشروعات البنية التحتية في الدول النامية.
3. دعم «شبكة النقطة الزرقاء»، التي تضع معايير للجودة والشفافية والاستدامة في مشروعات البنية التحتية.
4. توسيع عمل مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية لتمويل المشروعات والاستثمارات الاستراتيجية خارج الولايات المتحدة.
5. التحذير من مخاطر الديون المرتبطة ببعض المشروعات الصينية، مع بقاء وصف «فخ الديون» موضع نقاش بين الباحثين.
6. فرض قيود على تصدير التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين، ولا سيما أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والاتصالات.
7. تقوية التحالفات الأمنية الأميركية مع اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وأستراليا، واستمرار الدعم الأميركي لتايوان.
وهكذا لم تعد المنافسة محصورة في التجارة والتعريفات الجمركية، بل امتدت إلى الموانئ والطاقة والرقائق الإلكترونية والاتصالات والمعايير التقنية والممرات العابرة للقارات.
خامسًا: التحالف الأميركي–الإسرائيلي والتقاطع اللاهوتي–السياسي
لا يمكن تحليل استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بمعزل عن تحالفها الوثيق مع إسرائيل. فهذا التحالف لا يقتصر على الدعم العسكري والأمني، بل يمتد إلى التكنولوجيا والاقتصاد والاستخبارات والتنسيق السياسي في مواجهة إيران وإعادة تشكيل موازين المنطقة.
وقد أكد نتنياهو مرارًا أن العلاقة تقوم على «قيم ومصالح مشتركة»، في حين وصف ترامب نفسه بأنه من أشد الرؤساء الأميركيين دعمًا لإسرائيل. كما أعلن الطرفان اتفاقهما على منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وإن اختلفت أحيانًا وسائل بلوغ هذا الهدف.
وإلى جانب المصالح الاستراتيجية، يظهر تقاطع لاهوتي–سياسي بين الخطاب القومي الديني الذي يستخدمه نتنياهو وبين تيارات مسيحية إنجيلية مؤثرة داخل الولايات المتحدة. وقد تجلّى ذلك في استحضار نتنياهو التاريخ التوراتي لتفسير الصراعات المعاصرة، وفي خطاب ترامب أمام الكنيست في 13 أكتوبر 2025، حين شكر «إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب»، ووصف المرحلة الجديدة بأنها بداية «عصر الإيمان والأمل والله».
ولا يعني ذلك قيام عقيدة لاهوتية رسمية موحدة بين الدولتين؛ فالولايات المتحدة دولة متعددة الأديان والاتجاهات، كما أن المجتمع الإسرائيلي منقسم سياسيًا ودينيًا. لكن هذه اللغة الدينية المشتركة تؤدي وظيفة سياسية مهمة: فهي تمنح التحالف بُعدًا يتجاوز تبادل المصالح، وتقدمه لبعض جمهوره باعتباره ارتباطًا تاريخيًا وعقائديًا ورسالة تتصل بمستقبل المنطقة.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تصريحات نتنياهو عن تغيير وجه الشرق الأوسط ومسار التاريخ، وتصريحات ترامب التي تربط التحالف بإسرائيل بالإيمان والمصير الحضاري. ( الذي قد يعني اعادة بناء هيكل سليمان في القدس المسجد الأقصى ) . غير أن الاستناد إلى هذه التصريحات يجب ألا يؤدي إلى إغفال الدوافع المادية المباشرة، ومنها الطاقة والممرات البحرية وإيران والتكنولوجيا والأسواق.
وعليه، فإن النفوذ الأميركي على النفط وطرق نقله قد يخدم غايات اقتصادية واستراتيجية، لكنه يتحرك أيضًا داخل تحالف أميركي–إسرائيلي تضفي عليه بعض الخطابات السياسية أبعادًا دينية وتاريخية. وهنا يلتقي النفط بالدولار، وتلتقي القوة بالمعتقد، في مشروع أوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط والمحافظة على مركز القيادة الأميركية في النظام العالمي.
الخلاصة
لا يبدو أن الولايات المتحدة تستطيع أو تحتاج إلى استبدال الدولار بالنفط استبدالًا كاملًا؛ فالقوة الأميركية ناتجة من تكامل عدة أدوات: الدولار، والأسواق المالية، والقوة العسكرية، والتكنولوجيا، والطاقة، والتحالفات، والسيطرة النسبية على طرق التجارة وسلاسل الإمداد.
والأقرب إلى الواقع أن واشنطن تحاول تعويض التراجع النسبي في بعض وظائف الدولار بتوسيع استخدام بقية أدواتها، وفي مقدمتها الطاقة والممرات والعقوبات والتكنولوجيا. فهي لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك النفط أو تسعيره كله بالدولار، بل يكفيها أن تظل صاحبة تأثير كبير في إنتاجه وتمويله ونقله وتأمينه ومنع خصومها من استخدام عائداته بحرية.
إذن، نحن لا نشهد انتقالًا بسيطًا «من الدولار إلى النفط»، بل تحولًا من هيمنة مالية شديدة التركّز إلى منظومة سيطرة مركبة تجمع المال والطاقة والتكنولوجيا والممرات والقوة العسكرية.
ويبقى السؤال: هل تنجح الولايات المتحدة في تثبيت هذه المنظومة، أم أن توسع الصين وصعود «بريكس» وتنويع العملات ومصادر الطاقة سيقود العالم إلى نظام متعدد الأقطاب لا تستطيع دولة واحدة الانفراد بقيادته؟ لاسيما بتعدد الحروب الإقليمية التي قد تتوسع إلى حروب عالمية ، إذا لم تحجم وتلجم الرغبات اللاهوتية المشتركة بين صناع القرار.
والله من وراء القصد .


