من هرمز إلى علي الطاهر: عندما تصبح التلة ورقة تفاوض…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
في الحروب، لا تُقاس أهمية المواقع بمساحتها، بل بما تمنحه لمن يسيطر عليها من قدرة على التأثير. ولعل المقارنة التي تبدو للوهلة الأولى غريبة بين مضيق هرمز وتلال علي الطاهر تحمل شيئًا من الدلالة: هرمز عقدة بحرية عالمية، وعلي الطاهر عقدة عسكرية محلية؛ الأول يتحكم بالحركة عبر ممر، والثاني يمنح من يسيطر عليه أفضلية من خلال الارتفاع والموقع. لكن التشبيه يتوقف هنا. فهرمز ذو تأثير على الطاقة والتجارة الدولية، بينما أهمية علي الطاهر عسكرية وميدانية مرتبطة بجنوب لبنان وتوازن السيطرة فيه.
وتزداد أهمية المسألة إذا صحت التقارير عن وجود عشرات المقاتلين داخل منشآت وأنفاق تحت المنطقة. أما القول إن هؤلاء جميعًا من الحرس الثوري الإيراني، فلا يزال يحتاج إلى إثبات مستقل، ولا ينبغي تحويله إلى حقيقة قبل توافر الأدلة.
لماذا علي الطاهر؟
القيمة العسكرية لعلي الطاهر ليست في التلة باعتبارها قطعة من الأرض فحسب، وإنما في موقعها المرتفع وإشرافها على مساحة واسعة من المنطقة المحيطة. ولذلك فإن السيطرة عليها تعني امتلاك نقطة مراقبة وضغط، وتؤثر في طبيعة الحركة العسكرية في محيطها.
ومن هنا يصبح سقوطها، إذا ثبت، أكثر من خسارة مرتفع.
إنه انتقال في ميزان السيطرة.
لكن الأخطر قد لا يكون فوق الأرض أصلًا.
المعركة تحت الأرض
إذا كانت هناك بالفعل شبكة أنفاق ومنشآت تحت علي الطاهر، فإن السؤال يتغير من:
من يملك التلة؟
إلى:
من يملك ما تحت التلة؟
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.
فالموقع يمكن احتلاله، لكن المنشأة الموجودة تحته قد تحتوي على مقاتلين، معدات، وثائق، وسائل اتصال ومعلومات عن بنية عسكرية كاملة. ولذلك فإن السيطرة على السطح لا تعني بالضرورة انتهاء المعركة.
بل ربما تكون البداية الحقيقية لها.
لماذا لا يكون الحل بالاقتحام؟
هنا تبرز نقطة تستحق التوقف.
إذا كانت القوات المحاصِرة قادرة على الضغط على الموجودين تحت الأرض، فلماذا لا تنتهي المسألة بعملية عسكرية مباشرة؟
وإذا صحت المعلومات المتداولة عن السماح بإدخال المياه والأدوية والمازوت، فإن ذلك يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة.
لكن ينبغي التأكيد مرة أخرى أن هذه التفاصيل لا أستطيع إثباتها بصورة مستقلة بما يكفي لأبني عليها حقيقة قاطعة.
ومع ذلك، لو ثبتت، فإن لها تفسيرًا استراتيجيًا محتملًا:
إسرائيل قد لا تكون مستعجلة لإنهاء وجود المحاصرين، بل قد تكون تريد إبقاءهم أحياء وتحت السيطرة.
فالمقاتل الميت تنتهي قيمته العسكرية والسياسية.
أما المقاتل المحاصر والحي، فيمكن أن يتحول إلى:
أسير، مصدر معلومات، وورقة تفاوض.
وهذا فارق جوهري.
المياه والدواء يمكن تفسيرهما من الناحية الإنسانية، أما إدخال الوقود، إذا كان مخصصًا لتشغيل منشآت تحت الأرض، فيحتاج إلى تفسير أكثر دقة؛ لأنه يعني عمليًا أن الجهة المحاصِرة لا تريد بالضرورة انهيار الحياة داخل المنشأة، بل تريد استمرارها ضمن شروط الحصار.
بعبارة أخرى:
قد لا يكون الهدف قتل من تحت الأرض، بل إجبارهم على الخروج من تحت الأرض بشروط من يسيطر على سطحها.
وإذا كان بينهم إيرانيون؟
هنا تتحول القضية إلى مستوى آخر.
لا توجد لديّ أدلة مستقلة كافية للجزم بوجود عشرات من الحرس الثوري تحديدًا، ولذلك يجب إبقاء الأمر في إطار الاحتمال لا الحقيقة.
لكن لو ثبت وجود عناصر أو ضباط إيرانيين ذوي أدوار قيادية، فإن قيمة المحاصرين سترتفع بصورة كبيرة.
لأن المسألة لن تعود متعلقة بمقاتلين محاصرين فقط، بل بأشخاص قد يمتلكون معلومات عن:
شبكات القيادة والاتصال.
طبيعة المنشآت تحت الأرض.
طرق الإمداد.
العلاقة العملياتية بين حزب الله وإيران.
وربما معلومات استخبارية ذات قيمة لإسرائيل.
وهنا يصبح إبقاؤهم أحياء أكثر فائدة من تصفيتهم.
من علي الطاهر إلى هرمز
وهنا نعود إلى المقارنة التي بدأنا منها.
مضيق هرمز مهم لأن من يملك القدرة على التأثير فيه يستطيع أن يؤثر في حركة تتجاوز حدود المنطقة.
وعلي الطاهر مهم، ليس لأنه يملك هذه القيمة العالمية، وإنما لأن الموقع الصغير قد ينتج تأثيرًا أكبر بكثير من حجمه الجغرافي.
في هرمز:
الممر هو الورقة.
وفي علي الطاهر:
الارتفاع هو الورقة، وما تحته قد يكون الورقة الأكبر.
ولهذا فإن تشبيه علي الطاهر بـ”هرمز لبنان” يجب أن يبقى تشبيهًا سياسيًا وعسكريًا لا جغرافيًا.
لكن ماذا يعني سقوط علي الطاهر فعليًا؟
إذا ثبت سقوط الموقع وانتقال السيطرة عليه إلى الطرف الإسرائيلي، فهناك ثلاث نتائج محتملة:
أولًا: عسكريًا
يتغير ميزان السيطرة على المنطقة، وتصبح التلال والمنشآت المحيطة أمام ضغط أكبر.
ثانيًا: استخباريًا
إذا تمكنت إسرائيل من الوصول إلى شبكة الأنفاق أو السيطرة عليها، فإن القيمة قد تكون أكبر من السيطرة على الأرض نفسها.
ثالثًا: تفاوضيًا
المحاصرون تحت الأرض يمكن أن يتحولوا إلى ورقة في أي تفاوض لاحق.
وهنا تصبح المعادلة:
التلة + الأنفاق + المحاصرون = ورقة تفاوضية واحدة.
والسؤال الأكبر
لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي ليس:
لماذا تريد إسرائيل علي الطاهر؟
بل:
لماذا تريد إسرائيل السيطرة على علي الطاهر مع إبقاء من هم تحتها على قيد الحياة، إذا صحت معلومات إدخال المياه والدواء والوقود؟
إذا كان الهدف مجرد التدمير، فهناك وسائل أخرى.
أما إذا كان الهدف السيطرة، والاستخبار، والضغط، ثم التفاوض، فإن إبقاء المحاصرين أحياء يصبح مفهومًا ضمن استراتيجية مختلفة تمامًا.
وهنا قد لا تكون علي الطاهر نهاية معركة، بل بداية ورقة تفاوض.
فالسيطرة على التلة تعطي السيطرة على الأرض، والوصول إلى الأنفاق يعطي المعلومات، والمحاصرون الأحياء يعطون ورقة ضغط.
وفي هذه الحالة، تصبح علي الطاهر أشبه بـ”هرمز” من نوع آخر:
ليست بوابة يمر عبرها النفط، بل بوابة قد تمر عبرها معلومات وتوازنات وقرارات سياسية.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية:
هل المعركة على علي الطاهر هي معركة أرض فقط، أم أن التلة أصبحت صندوقًا مغلقًا تحت الأرض، والجميع ينتظر معرفة ما بداخله قبل أن يقرر كيف تنتهي الحرب؟


