المفتي شريفة لوزير الخارجية: الديبلوماسية الحقيقية في إدارة الخلاف بحكمة وفتح قنوات الحوار

اعتبر المفتي الشيخ حسن شريفة، إمام مسجد الصفا، خلال إلقائه خطبة الجمعة، أن “مواجهة الاختلاف في الرأي بلغة التخوين والتشكيك والتصنيف تعكس إفلاسًا سياسيًا وفقرًا في الحجة، مؤكدًا أن الاختلاف ليس خيانة، والنقد ليس مؤامرة، وأن من يملك الحجة لا يحتاج إلى التخوين أو القمع.
وقال: “ما هذه النغمة الجديدة في مواجهة كل اختلافٍ في الرأي؟ لماذا تعمد بعض الجهات، كلما عجزت عن مقارعة الرأي بالحجة، إلى القمع بلغة التخوين والتشكيك والتصنيف؟ إن تحويل الاختلاف السياسي إلى تهمة، وتجريم النقد، ومحاولة إسكات الأصوات المخالفة، ليس قوةً ولا انتصارًا، بل هو أقلّ ما يمكن أن يوصف به بأنه إفلاس سياسي وفقر في الحجة”.
وأضاف: “الأشدّ إيلامًا أن تتولى بعض الأبواق المأجورة ترديد هذه اللغة، ظنًّا منها أن الناس جميعًا على شاكلتها، وأنهم لا يميزون بين صاحب موقفٍ حرّ وبين من يبيع صوته لمن يدفع أكثر. الناس ليست قطيعًا، والاختلاف ليس خيانة، والنقد ليس مؤامرة. ومن يملك الحجة لا يحتاج إلى التخوين، ومن يثق بجمهوره لا يخاف من الرأي الآخر. فاحترموا عقول الناس، واتركوا لغة التخوين؛ فالسياسة تُبنى بالحجة، لا بالقمع ولا بالصراخ”.
وفي الشأن الدولي، رأى المفتي شريفة أن “أميركا تتعامل بعقلية فرعون، تجعل من نفسها صاحبة الحق في تصنيف الناس: من يختلف معها يُدان، ومن يقاوم يُجرَّم، ومن يدافع عن نفسه يُلاحَق ويُعاقَب، وكأن العالم محكوم بميزانها وحدها. أما المجرم الحقيقي، حين يكون حليفًا لها، فتُفتح له أبواب التبرير والحماية”.
وتابع: “نتنياهو، الذي ارتبط اسمه بقتل المدنيين وتدمير البيوت والبنية التحتية في غزة، وما زالت الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، لا يجوز أن يتحول في الخطاب الدولي إلى طرفٍ فوق المساءلة. المشكلة ليست في أن تكون لأميركا مصالح؛ المشكلة حين تتحول المصالح إلى ميزان للعدالة، فيُجرَّم الضعيف ويُبرَّأ القوي، ويصبح الدفاع عن النفس جريمة، بينما تُمنح القوة المعتدية دائمًا مخرجًا سياسيًا. عندها لا تعود القضية قضية أمن أو إرهاب، بل قضية عدالة مفقودة ومعايير مزدوجة”.
وفي الشأن الداخلي اللبناني، أكد المفتي شريفة: “لسنا مع سياسة التقوقع والانعزال، بل نحن مع الانفتاح على الجميع، ومع مدّ جسور التواصل والحوار. لا عداوة لنا في الداخل اللبناني، مهما اختلفت الآراء وتباينت المواقف؛ فالاختلاف لا يفسد للوطن قضية، والحوار يبقى الجسر الذي نعبر من خلاله إلى التفاهم، والتعبير عن الرأي حقٌّ لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو قطيعة”.
وفي ما يتصل بالسياسة الخارجية، شدد المفتي شريفة على أن “دور وزارة الخارجية أن تُحسّن أدوات الدبلوماسية، وأن تبحث عن المخارج اللائقة التي تحفظ مصالح الوطن وكرامته، وتفتح أبواب التواصل بدل إغلاقها، وتقرّب وجهات النظر بدل تعميق الخلافات”.
وأضاف: “وزير الخارجية يجب أن يكون وزير الدولة، لا وزير فئة سياسية، لأن وزارة الخارجية تمثل لبنان كله، بكل مكوّناته وتنوعه، ولا يجوز أن تتحول إلى منصة لتصفية الحسابات أو التعبير عن موقف فريق دون سواه. والديبلوماسية الحقيقية ليست في التصعيد أو القطيعة، بل في إدارة الخلاف بحكمة، وفتح قنوات الحوار، وإيجاد المخارج التي تحفظ سيادة لبنان ومصالحه وكرامته”.
وختم بالتأكيد أن “لبنان لا يُبنى بالإقصاء ولا بالتخوين، بل بالحوار واحترام الرأي الآخر”، مشددًا على أن “الاختلاف في الرأي يجب أن يبقى اختلافًا لا أن يتحول إلى عداوة، وأن مصلحة الوطن تقتضي أن تبقى أبواب الحوار مفتوحة أمام الجميع، وأن السياسة الخارجية الناجحة هي التي تجمع اللبنانيين حول مصلحة وطنهم، لا التي تزيد الانقسام بينهم”.



