بين وهم النصر والحقيقة… إذا انتصر الجميع فمن هُزم؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
في الحروب، لا يُقاس النصر بعدد البيانات التي تعلن الانتصار، ولا بارتفاع أصوات القادة في المؤتمرات الصحافية. النصر الحقيقي يُقاس بما تحقق من الأهداف التي دخلت الدول والحركات الحرب من أجلها، وبما بقي بعد توقف المدافع.
اليوم، نحن أمام مشهد يكاد يكون غريبًا: إيران تقول إنها خرجت منتصرة، والولايات المتحدة تقول إنها انتصرت، وإسرائيل تتحدث عن إنجازاتها العسكرية، وحزب الله يؤكد أنه ما زال قادرًا على المواجهة.
لكن السؤال البسيط يبقى معلقًا في الهواء:
إذا كان الجميع قد انتصروا… فمن الذي هُزم؟
إيران والولايات المتحدة: انتصاران متناقضان
طهران ترفض الاعتراف بالهزيمة، وتتمسك بأن الحرب لم تحقق للأميركيين أهدافهم. وفي المقابل، واشنطن تتحدث عن الضغط الذي فرضته على إيران وعن قدرتها على التحكم بمسار الحرب والتفاوض.
أما مضيق هرمز، فقد أصبح واحدًا من أوضح الأمثلة على حرب الروايات.
إيران تقول إن المضيق تحت سيطرتها، بينما أعلن ترامب أن الولايات المتحدة تسيطر عليه، بل ذهب إلى التهديد بجعله «أرضًا أميركية». وفي 18 آب، أكدت طهران أنها لن تعيد فتح المضيق قبل تنفيذ شروط الاتفاق المؤقت، في وقت بقيت فيه المفاوضات متعثرة.
فأين النصر هنا؟
إذا كان المضيق مغلقًا، والتجارة العالمية متضررة، وأسعار الطاقة مضطربة، والمفاوضات لم تصل إلى اتفاق نهائي، فربما يكون من المبكر جدًا أن يعلن أي طرف نصرًا نهائيًا.
قد تكون إيران قد نجحت في منع إخضاعها بالكامل، وقد تكون الولايات المتحدة قد نجحت في إلحاق أضرار كبيرة بها وفرض ضغوط هائلة عليها.
لكن:
منع الهزيمة ليس هو بالضرورة الانتصار، وإلحاق الضرر بالخصم ليس بالضرورة تحقيقًا لكل أهداف الحرب.
ومن إيران إلى لبنان… يبدأ السؤال الأصعب
إذا كان الصراع الإيراني–الأميركي لم يحسم المنتصر، فإن تداعياته لا تتوقف عند حدود إيران.
هناك لبنان.
وهناك حزب الله.
وهناك جنوب لبنان، حيث لا تزال تلة علي الطاهر تتحول إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد.
التقارير الحالية تتحدث عن مقاتلين محاصرين داخل منشآت تحت الأرض في المنطقة، وعن عشرات العناصر بحسب بعض المصادر، لكن لا يوجد حتى الآن تأكيد مستقل وحاسم لعددهم أو وضعهم الفعلي. وتؤكد تقارير أخرى أن الروايات حول السيطرة على التلة والمنشآت الموجودة تحتها متضاربة.
وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد معركة عسكرية.
إذا كان هناك بالفعل عشرات المقاتلين تحت الأرض، فإن السؤال ليس فقط:
هل يستطيعون الخروج؟
بل:
من سيقرر مصيرهم؟
هل يخرجون بتسوية؟
هل يستسلمون؟
هل يجري التفاوض على إخراجهم؟
أم تتحول التلة إلى معركة عسكرية مفتوحة؟
إنها أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات.
علي الطاهر… حين يصبح الميدان أكثر صدقًا من الخطاب
قد يقول طرف إنه انتصر، لكن وجود مقاتلين محاصرين تحت الأرض، إن تأكد، يكشف أن الحرب لم تنتهِ بكل بساطة.
وقد يقول طرف آخر إنه حسم المعركة، لكن عدم القدرة على إنهاء الملف إلا عبر حصار وتفاوض وضغط سياسي يعني أن الحسم العسكري الكامل لم يتحقق بعد.
ولهذا أصبحت علي الطاهر ورقة تتجاوز الجغرافيا.
إنها تقع عند تقاطع ثلاثة ملفات:
الميدان الإسرائيلي، ومستقبل سلاح حزب الله، ومستقبل الدولة اللبنانية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن إسرائيل تضغط باتجاه حسم السيطرة على المنطقة، فيما يخشى آخرون أن يؤدي فتح معركة واسعة فيها إلى ضرب المفاوضات القائمة.
وماذا عن حزب الله؟
هنا ربما يكون السؤال الأكثر أهمية.
حزب الله لن يختفي لمجرد انتهاء الحرب، كما أن بقاءه السياسي لا يعني بالضرورة بقاءه بالقوة العسكرية نفسها.
المعركة المقبلة قد تكون على شكل الحزب ودوره أكثر مما هي على وجوده.
هل يبقى قوة سياسية واجتماعية مع سلاح محدود؟
هل يقبل بتسوية تنقل السلاح تدريجيًا إلى الدولة؟
هل يحتفظ بجزء من قدرته العسكرية؟
أم يذهب إلى مواجهة جديدة دفاعًا عن سلاحه؟
هذه الأسئلة ستحدد مستقبل الحزب أكثر من البيانات التي تعلن الانتصار.
والأهم أن الحزب قد يجد نفسه أمام معادلة صعبة:
أن يحافظ على صورته كقوة مقاومة، من دون أن يتحول سلاحه إلى سبب دائم لإعادة الحرب على لبنان.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الدولة اللبنانية والجيش اللبناني.
فلبنان لا يستطيع أن يبقى إلى الأبد في منطقة رمادية: لا حرب كاملة ولا سلام كامل، لا دولة تحتكر قرار الحرب والسلم ولا قوة مسلحة تستطيع أن تقرر وحدها متى تبدأ المواجهة ومتى تنتهي.
إذن… من هُزم؟
ربما لا توجد حتى الآن إجابة واحدة.
إيران ليست في وضع المنتصر المطلق.
أميركا ليست في وضع المنتصر المطلق.
إسرائيل لم تحقق بالضرورة كل أهدافها.
وحزب الله، حتى لو بقي موجودًا وقادرًا على القتال، يواجه سؤالًا صعبًا حول شكل وجوده ودوره المقبل.
أما لبنان…
فهنا تصبح الإجابة أكثر قسوة.
لبنان هو الذي يدفع الثمن في كل مرة يتحول فيها الصراع الإقليمي إلى حرب على أرضه.
مدن وقرى تُضرب، عائلات تدفع الثمن، اقتصاد يتألم، وناس يعيشون بين هدنة وحرب، بينما يجلس أصحاب القرار أمام الكاميرات ليشرح كل منهم لماذا انتصر.
وهنا لا بد من التمييز بين النصر العسكري والنصر السياسي والنصر الوطني.
قد تربح معركة وتخسر الحرب.
وقد تخسر موقعًا عسكريًا وتربح تفاوضيًا.
وقد تمنع خصمك من تحقيق هدفه، فتسمي ذلك انتصارًا.
لكن الوطن لا يستطيع أن يعيش على هذه التعريفات.
الحقيقة لا تحتاج إلى بيان نصر
ربما يكون أكثر ما تحتاجه المنطقة اليوم هو التوقف قليلًا عن سؤال:
من انتصر؟
والبدء بسؤال آخر:
ماذا حققنا؟ وماذا خسرنا؟ وماذا بقي لنا؟
فإذا كانت إيران قد انتصرت، فماذا حققت من أهدافها؟
وإذا كانت أميركا قد انتصرت، فما الذي فرضته على إيران؟
وإذا كانت إسرائيل قد انتصرت، فهل انتهى التهديد الذي دخلت الحرب من أجله؟
وإذا كان حزب الله قد انتصر، فهل أصبح لبنان أكثر أمنًا واستقرارًا؟
وإذا كان الجميع قد انتصروا، فلماذا لا يزال هناك مقاتلون محاصرون، ومضيق مغلق، ومفاوضات متعثرة، وجنوب لبنان تحت النار؟
هنا تسقط أوهام النصر.
فالنصر ليس أن تستطيع أن تقول للعالم:
«لم نهزم.»
النصر هو أن تستطيع أن تقول:
«حققنا ما أردناه، وأنهينا الحرب بشروط أفضل مما دخلناها.»
أما إذا خرج الجميع ليعلنوا أنهم انتصروا، بينما بقيت الأرض مدمرة، والمقاتلون محاصرين، والمضائق مغلقة، والدول خائفة، والشعوب تدفع الثمن، فإن التاريخ وحده سيضع الأسماء في أماكنها.
وقد يكون المنتصر الحقيقي في النهاية ليس من رفع راية النصر أولًا، بل من استطاع أن يوقف الحرب ويحمي شعبه ويمنع تكرارها.
أما المهزوم الحقيقي…
*فهو كل وطن يصبح أرضًا لحرب الآخرين.*



