الإفلاس: حين تفشل الإدارة لا الموارد…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
لا يولد الإفلاس من فراغ، ولا يقتصر على الدول وحدها، بل يصيب الأحزاب، والجمعيات، والأندية، وسائر الحقول العامة عندما تُدار بعقلية الإنكار لا المراجعة. وهو، في جوهره، لا يكون نتيجة فساد الموارد أو رداءة الإمكانات، بل ثمرة حتمية لسوء إدارة، وغياب التخطيط، وتعطيل آليات التقييم والمساءلة.
تبدأ الأزمة بتنازلات صغيرة تُبرَّر بالضرورة، وبخسائر تُهمَل بحجة الاستمرارية، وبقرارات مؤجَّلة خوفًا من الكلفة أو من الاعتراف بالخطأ. ومع الوقت، تتآكل الأساسيات: تُستنزف القيم المؤسسة، تُهمَّش الكفاءات، وتُستبدل الرؤية بالاجتهاد الآني. ورغم ذلك، يستمر القائمون على الإدارة في التمسك بخطاب يوحي بالثبات، وكأن البقاء الشكلي دليل على السلامة.
المشكلة هنا ليست في الموارد، ولا في القاعدة الشعبية، ولا في حجم الدعم، بل في رأس الإدارة. فعندما يغيب التقييم الدوري، وتُقصى الكفاءة لصالح الولاء، ويُتعامل مع الخلل كأمر عابر، يصبح الانحدار تدريجيًا لكنه مؤكّدًا، وتتحول الخسارة إلى نمط عمل لا يُناقش.
ويأتي يوم الحساب. تكتشف الدولة أو الحزب أو الجمعية أو النادي أنه فقد ركائزه الأساسية: ثقة الناس، القدرة التنظيمية، والحد الأدنى من الاستدامة. عندها يُعلَن الإفلاس، لا نتيجة حادث طارئ، بل نتيجة مسار طويل من سوء الإدارة، وسوء تقدير المخاطر، والاعتقاد الخاطئ بأن الأرض ثابتة فيما كانت تُسحب من تحت الأقدام خطوة بعد خطوة.
إن أخطر أشكال الإفلاس هو ذاك الذي يُدار بهدوء، ويُبرَّر بخطاب مطمئن، ويُؤجَّل الاعتراف به حتى يصبح واقعًا لا رجعة فيه. فالإفلاس، في أي حقل عام، ليس أزمة موارد… بل أزمة إدارة، وأزمة قرار، وأزمة مسؤولية لم تُمارَس في وقتها.



