الشيخ بلال بارودي: لم يأتِ قانون العفو على النحو المأمول… نحن في سياسة الممكن

تطرّق أمين فتوى طرابلس والشمال وشيخ القراء بلال بارودي في خطبة الجمعة من المسجد المنصوري الكبير إلى إقرار قانون العفو العام في المجلس النيابي وقال:
«بعد مدة طال انتظارها، لم يأتِ القانون — قانون العفو العام — على النحو المأمول ولا المنشود، ولكن على الممكن. يعني، نحن في سياسة الممكن في كل لبنان، هذا ما يمكن فعله. ولكن عندنا عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: في الشكل.
الملاحظات الثانية أو الأخرى: في المضمون.
ففي الشكل: نحن إلى الآن، إلى الآن نرفض أن يُقال “قانون عفو عام”؛ إذ العفو يكون عمن ارتكب جرمًا، فكيف نعفو عمن لم يُحاكم أصلاً؟! ومع ذلك، طوينا الصفحة وقلنا: يا أخي، كرمى للإخوة الذين قضوا سنوات ظلمًا في السجون، آن الأوان أن يستنشقوا نسيم الحرية، وأن يروا النور بعدما قضوا أغلب عمرهم في أقبية الظلم والظلمات في السجون.
أما في المضمون مع الشكل، فإن المجريات التي حدثت إبان مناقشاته لإقراره، شيء يقشعر منه البدن، وتشمئز منه النفوس.
كيف؟
أولاً: هذه الدولة عندها مؤسسات، مؤسسات هي المولجة بإقرار التشريعات، والتصديق على القوانين، والتنفيذ بالأنظمة والمراسيم، هكذا تكون الدول. أما أن تكون دولة مجزأة في نفوذ وعصاب وحسابات طائفية ضيقة، فهذا لا يبشر بخير!
والفارق في ذلك أيها الكرام — وانتبهوا جدًا جدًا جدًا إلى ما سأقوله —: أن الذين اعترضوا على قانون العفو جهتان، لن نسميهما فأسماؤهما معروفة عندكم، ومن السياق تعرفونها:
الفئة الأولى: هي التي اعترضت على الجيش وقائد الجيش عندما وقف الجيش مع قائده مع الناس في ثورة السابع عشر من تشرين، ولمزوه، ورمزوا منه، وهددوه، وقالوا: إياك أن تتدخل فهذه سياسة نحن نرسمها وأنت لا دخل لك في السياسة! الآن يريدون أن يرسموا ويدافعوا عن الجيش الذي أرادوا عندما كانوا في الحكم أن يصغروا من دوره، وأن يجعلوه في مواجهة الناس، وما علموا أن هذا الجيش هو من الناس، وجيشٌ في الأصل لحفظ الأمن لا لمصادرة الحرية ولا لمجابهة الناس. فعندما كان الجيش يقوم بدوره الوطني في مؤازرة الناس والتضامن معهم في مطالبهم — وهم أصل الناس المتضررين — نالوا من هيبته ومن قداسته، حتى صار من ذلك أن تمت مقاطعة قائد الجيش في حينها عندما كان وزير الدفاع من طائفة أو من تيار معين.
الفريق الثاني: الذي يتباكى على هيبة الجيش، ويتباكى على المؤسسة العسكرية، هو الذي نال من دمها ومن أفرادها، وما قبل أن نتحقق بأي شيء يُتهم هو بإراقة دم الجيش، والآن يتباكى على دم الجيش!
إذاً، هؤلاء أو هذان الفريقان هما اللذان فعلاً يعيقان قيام الدولة، وهما اللذان فعلاً ينتسبان للدولة العميقة التي لا تريد لا للبنان أن ينهض، ولا للجيش أن يأخذ دوره، ولا للحكومة أن تكون لها نفوذها وكلمتها وسيطرتها وتشريعاتها وأحكامها.
لذلك، يريدون التلاعب بالسلطات حتى تبقى.. وما علموا أن الدنيا تغيرت يا أيها الناس! الدنيا تغيرت: ضباط الجيش السوري يُحاكمون، مفتي البراميل يُحاكم، الحدود آمنة، النظام يبسط سيطرته على أغلب الدول السورية، الأمور تغيرت، روسيا بنفسها أبرمت اتفاقيات في قاعدة حميميم! إن الأمور تغيرت، وهؤلاء لا يستطيعون أن يتقبلوا أن الأمور تغيرت!
لماذا يسوؤكم أن يخرج الإسلاميون؟ ما الذي تخافونه منهم؟
لأنهم سيفضحونكم! فما دخلوا إلا بظلمكم إلى السجون.
ونحن، حتى نقبل فعلاً أن يكون العفو العام عادلاً، ينبغي في هذه الفترة التي تمتد إلى سنتين حتى يخرج الجميع، لا بد وأن نرى مكانهم الذين أدخلوهم إلى السجن، فيُحاكم الضباط، والقضاة، والمحققون الذين لفّقوا لهم التهم لأنهم ساعدوا الثورة السورية التي اعترف بها اليوم العالم بأكمله».
وأضاف: «لِذَلِكَ اسْتَرْوِحُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ، يَا إِخْوَانَنَا فِي السُّجُونِ اصْبِرُوا فَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ قَلَائِلُ وَتَتَخَرَّجُونَ إِلَى الوَاقِعِ، إِلَى الحَقِيقَةِ، وَهَؤُلَاءِ سَيُصْبِحُونَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ — كُلُّ النَّاسِ عَلِمَ أَمَامَ التِّلْفَازِ مَنْ خَرَجَ مِنَ المَجْلِسِ النِّيَابِيِّ وَلَمْ يَرْضَ أَنْ يُقِرَّ العَفْوَ العَامَّ.
هَؤُلَاءِ لَيْسُوا ضِدَّ السُّنَّةِ، هَؤُلَاءِ ضِدَّ لُبْنَانَ، بَلْ ضِدَّ قِيَامَةِ لُبْنَانَ، بَلْ ضِدَّ رَئِيسِ لُبْنَانَ، بَلْ ضِدَّ حُكُومَةِ لُبْنَانَ، بَلْ ضِدَّ جَيْشِ لُبْنَانَ!
يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ هَذِهِ الحَقَائِقُ، وَكَفَى أَنْ نَخْتَبِئَ وَرَاءَ أَصَابِعِنَا، هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ نُفُوذًا طَائِفِيًّا، وَلِذَلِكَ فَعَلُوا اتِّفَاقَ مَارِ مِخَايِل؛ لِتَقَاسُمِ النُّفُوذِ مَا بَيْنَ الأَقَلِّيَّاتِ فِي لُبْنَانَ عَلَى حِسَابِ قِيَامِ الدَّوْلَةِ.
عُودُوا إِلَى رُشْدِكُمْ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ، فَمُجَرَيَاتُ الأَحْدَاثِ لَا تَنْتَظِرُ وَهِيَ قَادِمَةٌ بِسُرْعَةٍ».



