اخبار لبنانبة

تحالف السعودية وتركيا وباكستان: بين إيران وأميركا… هل يولد نظام أمني إقليمي جديد؟/بقلم أوجينا دهيني

لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس 2026 حدثًا عسكريًا عابرًا. فالإعلان أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعد اعتداءً عليها جميعًا يضع أمام الشرق الأوسط معادلة جديدة، خصوصًا أن الاتفاق يجمع السعودية، بثقلها العربي والاقتصادي، وتركيا صاحبة أحد أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي، وباكستان، القوة النووية الوحيدة بين الدول الإسلامية.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا تستطيع هذه الدول الثلاث أن تفعل معًا؟ بل: أين يقع هذا التحالف بين إيران والولايات المتحدة؟
فالرياض وأنقرة وإسلام آباد لا تنتمي إلى معسكر واحد بالمعنى التقليدي. لكل منها علاقة وثيقة، بدرجات مختلفة، مع واشنطن، وفي الوقت نفسه لكل منها قنوات ومصالح وعلاقات مع طهران. وهذا تحديدًا ما يجعل التحالف مثيرًا للاهتمام.
إيران في قلب الحسابات… ولكنها ليست عدوًا معلنًا
من الصعب فصل توقيت الاتفاق عن الحرب مع إيران وما أحدثته من تبدلات في مفهوم الأمن الإقليمي. فمنذ اتساع المواجهة في فبراير/شباط، تعرضت دول خليجية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كما أصبحت المنشآت الأميركية المنتشرة في المنطقة جزءًا مباشرًا من ساحة الاشتباك. وفي السعودية نفسها، تعرضت قاعدة الأمير سلطان الجوية، التي يوجد فيها عسكريون ومعدات أميركية، لضربات إيرانية؛ وأفادت تقارير في مارس بتضرر خمس طائرات تزويد بالوقود أميركية في إحدى تلك الهجمات.
وهذه النقطة شديدة الأهمية. فالوجود العسكري الأميركي الذي كان يُنظر إليه لعقود باعتباره ضمانة لأمن الحلفاء الخليجيين تحوّل، في لحظة المواجهة المباشرة مع إيران، إلى أحد أسباب تعرض أراضي هذه الدول لمخاطر كبيرة.
فالولايات المتحدة تحتفظ بشبكة عسكرية واسعة في المنطقة: مقر الأسطول الخامس في البحرين، وقاعدة العديد في قطر، ومنشآت عسكرية في الكويت والإمارات والأردن والعراق، إضافة إلى وجودها في قاعدة الأمير سلطان في السعودية.
من هنا يمكن فهم جزء من فلسفة التحالف الجديد: كيف تستطيع دول المنطقة تعزيز قدرتها على حماية نفسها، من دون أن تبقى سلامتها مرتبطة بالكامل بقرارات الحرب والسلم التي تتخذ في واشنطن؟
لكن ذلك لا يعني أن التحالف صُمم لإعلان الحرب على إيران. بل إن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كان واضحًا في نفي أن يكون الاتفاق موجهًا ضد طهران، رغم تشبيهه مبدأ الدفاع الجماعي فيه بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو.
واللافت أكثر هو رد طهران نفسها. فقد قالت الخارجية الإيرانية في 10 أغسطس/آب إنها لا ترى سببًا للخوف من الاتفاق، واعتبرت أن اتجاه دول المنطقة إلى الاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية بدل القوى الأجنبية يمكن أن يشكل تطورًا إيجابيًا، إذا لم يتحول إلى تكتل يستهدف دولًا أخرى.
إيران إذن تقرأ الاتفاق بحذر، لكنها تحاول في الوقت نفسه استيعابه لا دفعه فورًا إلى خانة العداء.
السعودية: حليف أميركي يريد مساحة أكبر للحركة
قد تبدو السعودية الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فعلاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة تعود إلى عقود، ولا تزال واشنطن شريكها الأمني والعسكري الرئيسي. وفي نوفمبر 2025 وقع البلدان اتفاقًا دفاعيًا استراتيجيًا، بالتوازي مع صفقات وتسليح وتعاون اقتصادي واسع، فيما وصفت الإدارة الأميركية المملكة بأنها شريك استراتيجي للولايات المتحدة. لكن العلاقة لم تعد تعني التطابق الكامل في المصالح.
أحد أبرز الأمثلة أن الرياض، رغم وجود قوات أميركية على أراضيها، أكدت خلال الحرب أنها لم تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لشن الضربات الأميركية على إيران، وحاولت الدفع باتجاه الوساطة والتهدئة.
وفي أغسطس، ومع تصاعد التهديدات الإيرانية بضرب منشآت حيوية خليجية في حال تجدد الهجوم الأميركي على إيران، أفادت رويترز بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حث الرئيس دونالد ترامب على تأجيل العمل العسكري والعودة إلى المسار التفاوضي.
هذه السياسة تكشف التحول الذي ينبغي التوقف عنده: السعودية لا تسعى بالضرورة إلى استبدال الولايات المتحدة، بل إلى ألا تكون الولايات المتحدة خيارها الأمني الوحيد.
حتى الملفات الأخرى تكشف حدود التقارب السعودي الأميركي. ففي يوليو ربط ترامب المضي في اتفاق التعاون النووي المدني مع الرياض بانضمام السعودية إلى مسار التطبيع مع إسرائيل
لذلك يمكن قراءة التقارب مع تركيا وباكستان كجزء من سياسة تنويع الخيارات: واشنطن تبقى الشريك الأكبر، لكن الرياض تريد إلى جانبها شبكة إقليمية تستطيع الاعتماد عليها عندما تختلف حساباتها عن الحسابات الأميركية.
باكستان: القوة النووية والوسيط بين طهران وواشنطن
أما باكستان، فقد تكون العنصر الأكثر إثارة في المعادلة.
إسلام آباد حليف تاريخي للسعودية، ولديها علاقات عسكرية وثيقة معها، لكنها في الوقت نفسه جارة لإيران، وتشترك معها بحدود طويلة وحساسة. والأهم أن باكستان لعبت خلال أزمة 2026 دورًا أساسيًا في فتح قنوات الحوار بين واشنطن وطهران.
في مارس برزت إسلام آباد بوصفها وسيطًا محتملًا لأنها تجمع ثلاثة عناصر نادرًا ما تجتمع في دولة واحدة: علاقات وثيقة مع السعودية، وقنوات مفتوحة مع إيران، وثقة واتصالات قوية مع واشنطن. كما أن باكستان، بخلاف عدد من دول المنطقة، لا تستضيف قواعد عسكرية أميركية على أراضيها.
وفي أبريل استضافت إسلام آباد أعلى مستوى من المحادثات المباشرة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين منذ عقود، واستمرت وساطتها لاحقًا. وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات التحالف الجديد: الدولة التي يُفترض أن تشارك السعودية في ردع الخطر الإيراني هي نفسها إحدى أهم قنوات الاتصال بين إيران والولايات المتحدة.
لكن هذه ليست بالضرورة نقطة ضعف. فقد تكون تحديدًا إحدى نقاط قوة التحالف.
وجود باكستان يعطي هذا الإطار قدرة على الجمع بين الردع والوساطة. فهي تستطيع أن تقول لطهران إنها ملتزمة بأمن السعودية، وفي الوقت ذاته تقول لواشنطن والرياض إن لديها القدرة على الحديث مع القيادة الإيرانية عندما تغلق القنوات الأخرى.
تركيا: داخل الناتو… وخارج منطق الاصطفاف الكامل
أما تركيا فتحمل تناقضًا مشابهًا ولكن بصورة مختلفة.
تركيا عضو في الناتو منذ عقود، والمادة الخامسة للحلف تعتبر الاعتداء على أحد أعضائه اعتداءً على الجميع. ومع ذلك، استطاعت أنقرة بناء سياسة خارجية تمنحها هامشًا واسعًا للحركة بعيدًا عن التطابق الكامل مع سياسات واشنطن.
وعلاقتها بإيران خير مثال فتركيا وإيران دولتان متنافستان إقليميًا، تختلفان في سوريا والعراق والقوقاز وعدد من ملفات النفوذ، لكنهما في الوقت نفسه جارتان ترتبطان بعلاقات سياسية واقتصادية، وتحرص أنقرة عادة على بقاء قنوات الحوار مع طهران مفتوحة.
وعندما بدأت الحرب، انتقد الرئيس رجب طيب أردوغان الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ووصفها بأنها مخالفة للقانون الدولي، فيما عملت أنقرة على التواصل مع الأطراف والدفع نحو العودة إلى المفاوضات.
لكن العلاقة لم تمنع وصول التداعيات إلى تركيا نفسها. ففي مارس أعلنت أنقرة أن دفاعات تابعة للناتو أسقطت صاروخًا أطلق من إيران، وأدان الحلف استهداف الأراضي التركية.
وهنا تظهر أهمية الاتفاق بالنسبة لأنقرة: تركيا عضو في تحالف غربي ضخم، لكنها تحاول في الوقت نفسه أن تكون مركزًا في هندسة أمنية شرق أوسطية لا تُدار بالكامل من واشنطن أو بروكسل.
بمعنى آخر، انضمام تركيا إلى التحالف لا يعني مغادرة الناتو؛ بل قد يعني استخدام وزنها داخل الناتو لبناء وزن موازٍ خارجه.
لا ضد أميركا… ولا بالضرورة ضد إيران
من هنا، ربما يكون الخطأ الأكبر هو اختزال «اتفاق مكة» في عنوان من نوع «تحالف سني ضد إيران»، أو اعتباره تمردًا على الولايات المتحدة فالصورة أكثر تعقيدًا.
السعودية تحتاج الولايات المتحدة عسكريًا وتقنيًا، لكنها تريد استقلالًا أكبر في قرارها. تركيا عضو أساسي في الناتو، لكنها ترفض أن تتحول سياستها الإقليمية إلى امتداد تلقائي لسياسة الحلف. وباكستان تحتفظ بعلاقات وثيقة مع واشنطن والرياض، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى وسيط رئيسي مع إيران.
وحتى طهران، رغم حذرها الطبيعي من أي تكتل عسكري يضم ثلاث دول قوية، اختارت في ردها الأولي عدم إعلان العداء للتحالف، بل تحدثت إيجابيًا عن فكرة أن تتحمل دول المنطقة مسؤولية أمنها بدل الاعتماد الكامل على القوى الأجنبية.
لهذا يمكن النظر إلى التحالف بوصفه سياسة تأمين إقليمية أكثر منه محور حرب: الدول الثلاث تريد أن تكون مستعدة إذا فشلت الدبلوماسية، لكنها تريد في الوقت ذاته الاحتفاظ بالقدرة على ممارسة الدبلوماسية حتى اللحظة الأخيرة.
السؤال الأبرز الأميركي أين هو من الاتفاق؟
الولايات المتحدة بنت لعقود النظام الأمني الخليجي على معادلة واضحة: قواعد أميركية، وتسليح أميركي، وضمانات أمنية مقابل شراكات استراتيجية واسعة.
لكن حروب السنوات الأخيرة طرحت على دول المنطقة سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث عندما تتحول القواعد الأميركية الموجودة لحمايتها إلى أهداف في حرب أميركية لا تريد هذه الدول أن تكون طرفًا فيها؟
هذا السؤال لا يعني نهاية الدور الأميركي. فلا تركيا تتخلى عن الناتو، ولا السعودية تتخلى عن شراكتها الدفاعية مع واشنطن، ولا باكستان تريد خسارة علاقاتها المتنامية مع الولايات المتحدة.
لكن الرسالة السياسية للتحالف هي أن الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد كافيًا وحده لبناء مفهوم الأمن الإقليمي.
وهنا تكمن دلالة الاتفاق الحقيقية.
فإذا تطور التحالف إلى منظومة دائمة تشمل قيادة أو تنسيقًا عسكريًا، ودفاعًا جويًا وصاروخيًا مشتركًا، وتبادلًا استخباراتيًا، وتعاونًا في الصناعات الدفاعية والأمن البحري، وربما انضمت إليه دول أخرى ـ وقد تحدثت تركيا بالفعل عن إمكانية انضمام مصر ـ فإن المنطقة قد تكون أمام بداية نظام أمني جديد.
نظام لا يقطع مع واشنطن، ولا يعلن الحرب على طهران، ولكنه يحاول تقليص المساحة التي تستطيع فيها أي قوة خارجية أو إقليمية فرض خياراتها على دول المنطقة.
واشنطن والتحالف: ترحيب بتقاسم الأعباء أم قلق من استقلال الحلفاء؟
يبقى الموقف الأميركي الحلقة الأكثر دقة في قراءة «اتفاق مكة» خصوصًا أن الدول الثلاث ليست خصومًا للولايات المتحدة: السعودية شريك استراتيجي رئيسي، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان استعادت خلال الأزمة الإيرانية موقعًا مهمًا في اتصالات واشنطن الإقليمية.
ومن زاوية أولى، ليس في الاتفاق ما يتعارض بالضرورة مع التوجه الأميركي الحالي. فإدارة الرئيس دونالد ترامب تدفع حلفاء الولايات المتحدة إلى تحمل حصة أكبر من أعبائهم الدفاعية لكن الوجه الآخر للاتفاق أكثر حساسية بالنسبة إلى واشنطن.
فالولايات المتحدة لم تنظر تاريخيًا إلى وجودها العسكري في الخليج باعتباره مجرد خدمة أمنية تقدمها للحلفاء؛ إنه أيضًا مصدر رئيسي لنفوذها السياسي والاستراتيجي في المنطقة. ومن هنا فإن المشكلة بالنسبة إليها لن تكون في امتلاك السعودية وتركيا وباكستان قدرة أكبر على الدفاع عن نفسها، بل في السؤال التالي: هل ستبقى هذه القدرة جزءًا من منظومة أمنية تقودها واشنطن، أم ستتحول تدريجيًا إلى منظومة مستقلة تستطيع اتخاذ قراراتها حتى عندما تتعارض مع الرغبات الأميركية؟
هناك أيضًا بُعد أكثر حساسية يتعلق بإيران فالولايات المتحدة قد تستفيد من تحالف يرفع كلفة أي هجوم إيراني على السعودية أو تركيا، لكنه قد يصبح أقل راحة لها إذا استخدمت الدول الثلاث وزنها الجماعي لكبح الخيارات العسكرية الأميركية تجاه طهران. وهنا تظهر أهمية باكستان التي لعبت دور الوسيط بين واشنطن وطهران، وتركيا التي دعت إلى التفاوض، والسعودية التي حاولت تجنب تحويل أراضيها إلى منصة للهجوم على إيران.
أي أن التحالف قد لا يعمل فقط كأداة لردع إيران، بل يمكن، في ظروف معينة، أن يعمل أيضًا ككتلة إقليمية تضغط لمنع واشنطن من تحويل المنطقة إلى ساحة لمواجهة مفتوحة معها.
وهذه ربما هي المفارقة الأكثر إثارة: ما يمكن أن تراه الولايات المتحدة مفيدًا عسكريًا قد يصبح مقلقًا سياسيًا.
فواشنطن تريد حلفاء أقوى يتحملون جانبًا أكبر من تكلفة أمنهم؛ لكنها تريد في الوقت نفسه أن تبقى قوة الربط المركزية بين هؤلاء الحلفاء. تريد من الرياض إنفاق المزيد على الدفاع، ومن تركيا تحمل مسؤوليات أكبر داخل الناتو، ومن باكستان التعاون في الملفات الإقليمية؛ لكنها لن تكون بالضرورة مرتاحة إذا أنتج تعاون الدول الثلاث مركز قرار استراتيجيًا مستقلًا عنها.
ولا ينبغي كذلك تجاهل العامل الإسرائيلي. فالولايات المتحدة بنت جانبًا مهمًا من تصورها للشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة على الجمع بين ضمان أمن إسرائيل، وتعزيز الشراكات مع الدول العربية، وتوسيع مسارات التطبيع. أما نشوء إطار أمني تقوده السعودية وتركيا وباكستان ويعرّف أمن المنطقة من منظور مصالح أعضائه، لا من منظور الأولويات الأميركية أو الإسرائيلية، فقد يضيف مركز قوة جديدًا إلى معادلة لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد القادر على رسم حدودها.
وهنا تظهر الدلالة الأعمق للتحالف: السعودية وتركيا وباكستان لا تعلن الانفصال عن الولايات المتحدة، لكنها تقول بصورة غير مباشرة إن الشراكة معها شيء، وتسليمها وحدها بمفاتيح الأمن الإقليمي شيء آخر.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي للعلاقة بين «اتفاق مكة» وواشنطن لن يكون في البيانات الدبلوماسية الأولى، بل في أول أزمة تتعارض فيها أولويات الدول الثلاث مع قرار أميركي كبير: حرب جديدة مع إيران، أو مواجهة مع إسرائيل، أو خلاف حول استخدام القواعد العسكرية، أو قرار يتعلق بالتطبيع والترتيبات الأمنية الإقليمية.
عندها فقط سيتضح ما إذا كان التحالف ذراعًا إقليمية إضافية ضمن النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة، أم نواة نظام يريد أن يصبح شريكًا لواشنطن في تحديد قواعد اللعبة بدل الاكتفاء بالعمل داخلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى