ما بعد السيادة/ بقلم زياد شبيب
كتب زياد شبيب في “النهار”:
في التجربة اللبنانية يتبيّن أن الأحزاب القائمة وُجدت لتحقيق غايات “نضالية” محدّدة ولكنها غالبًا ترفض ربط وجودها بالتحقيق الفعلي للغاية التي نشأت لأجلها وتتحول إلى عبء على مفهوم الدولة.
يُمثل حزب الله النموذج الأبرز للإشكالية المتعلقة بانحراف الوسيلة لتتحول إلى غاية بذاتها. حيث رفض انتهاء دوره العسكري بعد تحقق غايته المعلنة بالانسحاب الإسرائيلي عام 2000. فطبقاً للمسار التاريخي يُفترض أن تنتهي حركات المقاومة (كالمقاومة الفرنسية ضد النازية أو جبهة التحرير الوطني في الجزائر) فور تحقيق “الغاية”. وما حصل هو إعادة ابتكار الغايات Goal Invention لمنع انتهاء دور البنية العسكرية الضخمة والمصالح الإقليمية والداخلية المرتبطة بها، وجرى تحويل السلاح من “وسيلة للتحرير” إلى “غاية لحماية الطائفة والشيعية السياسية”،ومحاولة مقايضته بمكتسبات طائفية في النظام القائم.
ظاهر الحال أن هذه المشكلة سمةٌ تشترك فيها الأحزاب القائمة، ولكن كلامًا مختلفًا بدأ يبرز عن حزب القوات اللبنانية. ففي حديثٍ عبر أثير إذاعة لبنان الحرّ الشهر الماضي أجاب رئيسه سمير جعجع على سؤال يتعلق بنضال القوات على مدى 45 سنة، وقد أتى جوابه لافتًا، إذ ألمح إلى نهاية ما للقوات بصورتها الحالية عندما تتحقّق القضية التي تناضل لأجلها وهي السيادة الكاملة للدولة بناء المؤسسات. (لم يرد الكلام بالصيغة نفسها في النص الذي نشر بعد المقابلة)
يستحضر هذا الكلام الفشل الذي تلا انتهاء الحرب اللبنانية عبر تحوّل الميليشيات المنتصرة فيها، مدعومة من النظام الأسدي، إلى قوى سياسية، كما هي، بتكوينها وتركيبتها، ودخولها الدولة دون التخلّي عن التعبئة الطائفية، وتقاسمها مواقع الدولة ومواردها، وإشراك قوى أخرى التحقت بها وحاكتها من حيث النموذج.
اليوم يُطرح السؤال حول مرحلة ما بعد الحرب الحالية وبروز الفرصة التاريخية لاستعادة الدولة سيادتها وانتهاء أشكال الانتقاص منها، وما إذا كانت الكيانات “السياسية” التي يتشكّل منها المشهد السياسي الحالي سوف تستمر بالتكوين نفسه والتعبئة نفسها، مع ما يثيره ذلك من مخاوف حقيقية حول استمرار الهشاشة الوطنية واستحالة إقامة صيغة للسلم الأهلي الدائم.
كلام الحكيم يتعلق بمفهوم “الحزبية الطائفية” وحدود وظيفتها التاريخية مقارنة بالمفهوم العلمي للحزب السياسي، ويشكّل بادرة غير مسبوقة، وغير سابقة لأوانها، لطرح مصير الأحزاب الحالية بعد انتهاء معركة السيادة. وإذا صحّ فهم ما قاله الرجل، فهو يدلّ على جرأة ليست غريبة عنه (حيث لا يجرؤ الآخرون)، ويعني بأن التفكير بتحوّل القوات من ثنائية “المقاومة المسيحية – الحزب الطائفي” إلى نموذج مواطني شامل، أمر قابل للتصوّر وباعث على التفاؤل في تقديم النموذج للآخرين وتفكيك ذرائعهم.
هذا التفكير يعني بأن الهيكل الحزبي الذي نشأ كرد فعل أمني وتاريخي حامٍ للجماعة، ترتبط شرعية وجوده بوظيفة نضالية لملء فراغ الدولة السيادية، وعند تحقق السيادة والوصول إلى الاستقرار الدستوري، تسقط الحجة التاريخية له وللأحزاب الوجودية “الحامية للمكونات”، وتصبح استمرارية الحزب بصبغته القديمة نوعاً من الفائض الهيكلي الذي يجب أن يتطور لكي يتوافق مع مفهوم الدولة الحديثة، لأن التنافس السياسي ينتقل من “الدفاع عن الوجود” إلى البرامج السياسية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
إن الانتقال إلى العمل الحزبي المواطني في ظل سيادة الدولة يؤدّي إلى تحويل رصيد الحزب التنظيمي البارز إلى ماكينة مدنية تخدم مفهوم “المواطن” الفرد في مواجهة السلطة، وليس “ابن الطائفة”، كما يؤدي إلى تفكيك المنظومة الطائفية المتبادلة لأن الأحزاب الطائفية تتغذى على مخاوف بعضها البعض، ويسحب بساط الذرائع المقابلة من المكونات المسلحة أو الطائفية الأخرى، ما يدفع المشهد بأكمله إلى التحوّل نحو نظام المواطنة.



