الإنتشار اللبناني

المفتي الرفاعي: إستقرار لبنان مصلحة مشتركة للمنطقة بأسرها

لفت مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي الى انّ “الأمم التي تفقد رسالتها تتحول إلى جماعات منشغلة بالاستهلاك والصراع على المصالح، بينما الأمم التي تمتلك رؤية واضحة تجعل من الإنسان محور التنمية، ومن القيم أساسًا لبناء الدولة والمجتمع. لذلك لا يُقاس نجاح المجتمعات بما تملكه من ثروة فقط، بل بقدرتها على إنتاج إنسان يعرف غايته ويحسن أداء دوره”.

وقال في خطبة الجمعة: ” لقد خلط العصر الحديث بين اللذة والسعادة، فارتبط النجاح بالمال والشهرة والاستهلاك، بينما السعادة الحقيقية تنبع من شعور الإنسان بأن لحياته رسالة وأن جهده يثمر خيرًا للناس، والرؤية الإسلامية تقدم نموذجًا متوازنًا للإنسان؛ فهو مكرم بجسده، مسؤول عن نفسه، ومتّصل بروحه وخالقه”.

أضاف: “بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان. فالمجتمع القوي هو الذي الذي يكثر فيه كل أسرة مستقرة، وكل معلم مخلص، وكل عامل متقن، وكل مؤسسة عادلة”.

وأكد أن “الأصل في العلاقة الزوجية السكن والمودة والرحمة، فإذا تعذر تحقيق هذه المقاصد، جاء الطلاق علاجًا استثنائيًا يحفظ الكرامة ويمنع استمرار الظلم، ضمن منظومة من الحكمة والعدل والتقوى، بعيدًا عن الانفعال أو الانتقام”، مشيرًا إلى أن “القرآن يؤسس لثقافة راقية في إدارة الخلاف، فلا يجعل نهاية العلاقة نهايةً للأخلاق، بل يدعو إلى الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان. وهذه الرؤية تؤكد أن قوة المجتمع لا تقاس بعدد الأسر التي تستمر شكليًا، بل بقدر ما يسودها من احترام متبادل، وما تتحلى به من مسؤولية حتى في أصعب لحظات الفراق”.

وأضاف: “يُرسِّخ القرآن مبدأ أنّ العدالة القانونية وحدها لا تكفي لبناء مجتمع متماسك، لذلك دعا إلى الفضل والإحسان والتقوى، لأنها قيم تتجاوز ما تستطيع المحاكم فرضه. فاستقامة المجتمع تبدأ حين يراقب الإنسان ضميره قبل أن يخشى العقوبة، وحين يقدّم الواجب الأخلاقي على المكسب الشخصي”.

وأوضح بأنَّ “الإسلام يُولي عناية خاصة بالأطفال عند وقوع الطلاق، فلا يسمح بتحويلهم إلى أدوات للضغط أو ساحات لتصفية الحسابات، بل يجعلهم أمانة يجب صونها. كما تبقى النفقة واجبًا ثابتًا، وتبقى الأبوة والأمومة مسؤولية مستمرة، لأن انهيار العلاقة الزوجية لا يبرر انهيار الواجبات الإنسانية”.

وتابع: “تبرز العدة في التشريع القرآني باعتبارها فرصة للمراجعة والتروي، لا وسيلة للعقوبة أو الإيذاء. إنها مهلة تمنح العقل مساحة ليتغلب على الغضب، وتفتح بابًا لإصلاح ما يمكن إصلاحه، بما يعكس أن الإسلام يبني الأحكام على البصيرة والحكمة، لا على ردود الفعل الآنية. فالزواج: ميثاق، والطلاق: مسؤولية، والطفل: أمانة، والنفقة: واجب، والعدة: حكمة، والإحسان: عبادة، والتقوى هي الميزان الذي يحفظ الجميع”.

وفي الشأن السياسي، قال: “تتواصل المأساة في غزة لتكتب واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخ الصراع الإنساني ـ الإسرائيلي، حتى غدت مشاهد التشييع الجماعي عنوانًا لعصرٍ تُستباح فيه الإنسانية أمام أنظار العالم. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أرقام للضحايا، بل مأساة شعب يدفع ثمن تمسكه بأرضه وكرامته”.

واعتبر أنّ “التطمينات الصادرة عن الرئيس السوري بشأن الحرص على أمن لبنان واستقراره واحترام سيادته، تُشكِّل خطوة إيجابية ينبغي البناء عليها، لأن استقرار لبنان مصلحة مشتركة للمنطقة بأسرها. فالمرحلة الراهنة تتطلب تعزيز التعاون، واحترام العلاقات بين الدول، وإبعاد الساحات الوطنية عن التوترات، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار والتكامل في مواجهة التحديات المشتركة”.

وختم الرفاعي: “تبقى العدالة الانتقالية مدخلًا أساسيًّا لإغلاق الجراح الوطنية، وفي مقدمتها ملف الموقوفين الذي شكّل نزيفًا إنسانيًّا وقانونيًّا امتد قرابة عقدين من الزمن. وكل الشكر والتقدير لكل من أسهم، بموقف أو كلمة أو مسعى، في الوصول إلى هذه اللحظة التي يأمل اللبنانيون أن تكون بدايةً لإنهاء معاناة طويلة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى