عون امام زواره: حق الاختلاف مقدّس والخلاف ممنوع ولا يمكنني الوقوف متفرجاً على دمار البلد وقتل المواطنين

شدد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على ان “حق الاختلاف مقدس، انما الخلاف غير مسموح. ويجب المحافظة دائما على سقف المصلحة الوطنية العليا”، وقال: “لا خيار امامنا الا الحوار، فالحقد لا يبني المؤسسات ولا الدولة، بل يدمر المجتمع من الداخل، بينما الحوار يفضي في نهاية المطاف الى الحلول ونقاط مشتركة”.
وطمأن الرئيس عون الى ان “الوضع الامني في لبنان لا يزال جيدا”، منتقدا بشدة “كل من يكيل الاتهامات للجيش اللبناني الذي يقوم بواجباته على اكمل وجه”.
مواقف الرئيس عون جاءت في خلال استقباله قبل ظهر اليوم في قصر بعبدا، وفد “اللقاء الأرثوذكسي” برئاسة امينه العام مروان ابو فاضل، حيث تم عرض للاوضاع العامة في البلاد والمستجدات على صعيد المفاوضات القائمة حاليا لوضع حد للحرب والمعاناة التي يمر بها.
ابو فاضل
وفي مستهل اللقاء، قال ابو فاضل: “فخامة الرئيس، أتينا إليكم اليوم، وفدا من “اللقاء الأرثوذكسي”، في هذه المرحلة المفصلية من تاريخنا الوطني، لنعبر لفخامتكم عن خالص التقدير لما تبذلونه من جهود وطنية صادقة تهدف إلى وقف العدوان الإسرائيلي وتحرير أرضنا المحتلة. إننا ندرك أنكم تسيرون على حافة دقيقة للحفاظ على الجنوب وعلى لبنان بأسره، كما ندرك أن لا بدائل مجدية قدمت لمبادرتكم الدبلوماسية ، وقد لمسنا في إعلانكم أن أبواب قصر بعبدا مفتوحة لكل المحاورين دليل حرص على جمع اللبنانيين حول الثوابت الوطنية. وبكل وضوح نرفض أي عبارات تخوينية توجه لمقامكم، فبالنسبة لنا موقع رئاسة الجمهورية يعلو فوق كل التجاذبات، ونحرص كل الحرص على أن يدرك الجميع أن التمادي بهذا الموضوع بشكل مساسا بكرامة الوطن”.
اضاف: “فخامة الرئيس، اننا نتطلع الى الزيارة التي ستقومون بها إلى الولايات المتحدة الأميركية ولقائكم مع نظيركم الرئيس دونالد ترامب، ونرى فيها فرصة مواتية للضغط من أجل وقف التدمير الإسرائيلي الممنهج، والانتقال إلى خطوات متتالية ومتسارعة تفتح أمام لبنان آفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية لنعود في عهدكم الى المكانة التي نستحقها بين الدول المتقدمة. وحيث إن للأرثوذكس دورا تاريخيا فاعلا في لبنان في ترسيخ قيم المواطنة وقبول الآخر واحترامه، وحيث إن رسالتنا بقيت دائما جامعة بين أبناء الوطن، فإننا نضع أنفسنا بتصرف فخامتكم لتفعيل الحوار الوطني كسبيل أرحب لإشراك الجميع في الوقوف إلى جانب الدولة وبناء مناعة وطنية شاملة تحصننا من الأخطار المحدقة بنا. وطالما أن نظامنا السياسي لا يزال طائفيا، فإننا سنبقى متمسكين بخصوصيتنا الأرثوذكسية، كما تتمسك سائر مكونات الوطنية بخصوصياتها”.
وتابع: “لذلك نتوجه إليكم فخامة الرئيس بطلب سعة صدركم، لوقف محاولات تناتش المواقع الأرثوذكسية، وعدم إخضاع تمثيلنا السياسي والإداري لمنطق الاستزلام. وإننا نصر على أن يتحقق تمثيل الوجدان الأرثوذكسي، وفق المعيار الذي حدده غبطة البطريرك يوحنا العاشر في مختلف مواقع الدولة ومؤسساتها، كما نؤكد لفخامتكم أننا سنكون في الصفوف الأولى، عندما يحين أوان إلغاء الطائفية السياسية والانتقال إلى الدولة المدنية، دفاعا عن هذا التطور الذي يشكل، في وجدان الأرثوذكس وتكوينهم المشرقي، انعكاسا أصيلا لهويتهم وتطلعاتهم، ونتمنى أن يكون لنا مع فخامتكم في هذه المواضيع الجوهرية بالنسبة لنا المستقيمي الرأي الأرثوذكسيين، لقاء عمل خاص للتوسع بها”.
وختم قائلا: “نشكركم على طيب استقبالكم المعبر لنا فهو خطوة باتجاه مزيد من التعاون في العمل الوطني”.
الرئيس عون
ورحب الرئيس عون بالوفد، شاكرا اياه على الدعم والتأييد لمواقفه وحرص اعضائه بشكل دائم على مصلحة لبنان ووحدة صف اللبنانيين، وشدد على ان “حق الاختلاف مقدس، انما الخلاف غير مسموح، ويجب المحافظة دائما على سقف المصلحة الوطنية العليا، وعلينا الاستفادة من التنوع كرسالة كما وصفها القديس البابا يوحنا بولس الثاني، فهو عنصر غنى ويجب اعتمادها للدفاع عن مصلحة الوطن، بدل التقوقع ضمن هذه التعددية كونه امر مدمر للبنان، فالوطن هو الذي يحمي الجميع وليس الطائفية او المذهبية او الاحزاب، ووحدتنا هي السلاح الامضى، واذا اقتنعنا بأننا ضمن هوية واحدة ونتحدث لغة لبنانية واحدة، فعندها يكون خلاصنا”.
وقال: “ان المصالح الشخصية تعمل على استغلال الغطاء الطائفي والمذهبي، وهو امر غير مقبول. علينا النظر الى لبنان من مصلحة وطنية، بدل النظر اليه من مصلحة شخصية اوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم، علينا التطلع الى لبنان الهوية الواحدة واللغة الواحدة والهدف الواحد، فالحديث بلغات ومصالح وهويات غير لبنانية لن يؤدي الى تحسين الوضع في البلد”.
اضاف: “لا خيار امامنا الا الحوار، فالحقد لا يبني المؤسسات ولا الدولة، بل يدمر المجتمع من الداخل، بينما الحوار يفضي في نهاية المطاف الى الحلول ونقاط مشتركة. صحيح ان الخصوصية جزء من التعددية، ولكنها لا تعني التقوقع والانعزال. ما نقوم به لمواجهة الحرب، لا بديل له بعد ان جربنا كل شيء بما فيه الحرب التي لم تؤد الا الى المآسي والدمار والتهجير. ان خيار التفاوض قد لا يكون الاسلم، ولكنه حاليا الوحيد للوصول الى النتائج والاهداف التي نرغب بها جميعا، و “صيغة الاطار” بدأت تعطي مفاعيلها، وواشنطن باتت تصغي الينا، وملف لبنان على طاولة الرئيس الاميركي دونالد ترامب”.
ودعا الرئيس عون الجميع الى “قراءة بنود صيغة الاطار كما هي، وليس كما يتم الترويج لها من قبل البعض لغايات شخصية”، مشيرا الى انها “تؤمن مصالح لبنان وتصب في خانة الاهداف التي يجمع عليها اللبنانيون”، وقال: “من واجبي كرئيس ان اقوم بكل المحاولات لانقاذ بلدي وشعبي، ولا يمكنني ان اقف متفرجا على دمار البلد وقتل المواطنين، او ان ادع احدا يفاوض عن الدولة اللبنانية التي تتمتع بسيادتها”.
وطمأن الرئيس عون الى ان “الوضع الامني لا يزال جيدا في البلد، رغم كل الظروف القاسية، ولا خوف من الفتنة، او على تماسك الجيش اللبناني والقوى الامنية، والمؤسسة العسكرية تقوم بكل واجباتها على اكمل وجه”، وانتقد رئيس الجمهورية بشدة “الاتهامات التي يوجهها البعض الى الجيش”، معتبرا انها “تساهم في تقويض امن البلد وصموده وسلامته”.
ابي رميا
نيابيا، استقبل الرئيس عون النائب سيمون ابي رميا، وبحث معه المستجدات على الساحة المحلية والاقليمية، في ضوء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة. كما تم التطرق الى “صيغة الاطار” التي تم توقيعها في واشنطن والبنود التي تضمنتها، والمفاوضات التي تشهدها حاليا العاصمة الايطالية.
بعد اللقاء، قال النائب ابي رميا: “تشرفت اليوم بلقاء فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في مرحلة تعد من أدق المراحل التي يمر بها لبنان، حيث يواجه وطننا تحديات مصيرية تتطلب أعلى درجات الحكمة والجرأة والوحدة الوطنية. لقد أكدت لفخامة الرئيس دعمي الكامل للمواقف التي أعلنها، لأنها تنطلق من الثوابت الوطنية التي لا يختلف عليها أي لبناني مخلص، وفي طليعتها التوصل إلى نتائج تفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل من كل شبر من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة أهلنا إلى قراهم وبلداتهم في الجنوب بكرامة وأمان، وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين، والانطلاق فورا في إعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي”.
ولفت الى أن “هذه ليست مطالب فريق سياسي، بل حقوق وطنية ثابتة لكل اللبنانيين، وهي تشكل المدخل الحقيقي لاستعادة السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على أرضها. ومن هنا، أتوجه بنداء صريح إلى جميع القوى السياسية، وإلى مختلف المرجعيات الوطنية، للارتقاء فوق الحسابات الضيقة، والالتفاف حول المؤسسات الدستورية، وفي مقدمها فخامة رئيس الجمهورية، من أجل بلورة موقف وطني موحد يمنح لبنان القوة اللازمة في هذه اللحظة التاريخية”.
ورأى أن “وحدة اللبنانيين اليوم ليست خيارا سياسيا، بل هي واجب وطني ومسؤولية تاريخية. فلا يمكن أن نستعيد أرضنا، ولا أن نحمي شعبنا، ولا أن نبني دولتنا، إلا بإرادة وطنية جامعة تضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار. لقد دفع لبنان أثمانا باهظة دفاعا عن أرضه وسيادته، وحان الوقت لأن نجني ثمار صمود شعبه ووحدته، من خلال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي بصورة كاملة، وبسط سلطة الدولة اللبنانية الشرعية وحدها على كامل الأراضي اللبنانية، بما يكرس سيادة لبنان واستقلاله، ويؤسس لمرحلة جديدة من الأمن والاستقرار والنهوض الوطني. إنها لحظة القرار الوطني… فلنتحد من أجل لبنان”.
فرنسوا فيون
إلى ذلك، استقبل الرئيس عون رئيس الوزراء الفرنسي السابق فرنسوا فيون الذي يزور لبنان حاليا بصفته رئيس الجمعية الفرنسية “العمل من أجل السلام مع مسيحيي الشرق”، التي تعنى بالأعمال الإنسانية والاجتماعية، والذي اطلعه على الزيارات التي قام بها مع الوفد المرافق إلى عدد من القرى الحدودية اللبنانية، حيث اطلع على أوضاع سكانها الصامدين وحياتهم وحاجاتهم، تمهيدا لاستكمال إرسال المساعدات التي خصصتها الجمعية لهم. كما كان الرئيس فيون زيارات إلى عدد من المناطق اللبنانية.
وخلال اللقاء، شكر الرئيس عون الرئيس فيون على زيارته، منوها ب”المبادرات التي تقوم بها الجمعية لمساعدة اللبنانيين في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان الذي يواجه تحديات كبيرة، أبرزها وقف الاعتداءات الإسرائيلية على سيادته واستقلاله وسلامة أراضيه”، لافتا إلى “الخيار التفاوضي الذي اتخذه لبنان من أجل بسط سلطته حتى الحدود الجنوبية الدولية بواسطة الجيش والقوى الأمنية اللبنانية”.
ونوه الرئيس عون بالتعاون الذي يلقاه لبنان من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مختلف المجالات، “لا سيما لجهة الجهد الذي يبذله لإعداد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، إضافة إلى التحضير لمؤتمر آخر لدعم الاقتصاد اللبناني”، وأشاد بالرغبة “التي أبدتها فرنسا وإيطاليا بتشكيل قوة مشتركة تنتشر في الجنوب بعد انتهاء مهمة القوات الدولية العاملة في الجنوب “اليونيفيل” وببدء انسحابها خلال العام 2027″، لافتا إلى وجود “دول أوروبية وآسيوية أخرى ترغب في الانضمام إلى القوة التي يتم حاليا درس الواقع القانوني الذي سيتخذه وجودها على الأراضي اللبنانية”.
وتمنى فيون للرئيس عون “التوفيق في الجهود التي يبذلها لإنقاذ لبنان”، آملا في أن “يؤدي الدعم العربي والدولي الذي تلقاه مبادرته التفاوضية، إلى تحقيق ما يصبو إليه لبنان وشعبه”.
وضم الوفد المرافق للرئيس فيون، نائبة رئيس الجمعية آني ليريتيه Annie Lheritier، الأمين العام فرنسوا لو فوريستيه Francois le Forestier، والعضو في الجمعية فلوريان تارديف، ومنسق الزيارة جيلبير مسيحي.



