الإنتشار اللبناني

الرفاعي: لدعم كل الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة ومنع انزلاق المنطقة إلى دورة جديدة من العنف

إعتبر مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي أن “الدول لا تُبنى بالمؤسسات وحدها، كما أن القوانين لا تكفي لصناعة الاستقرار إذا غاب المجتمع الذي يؤمن بها ويحمل مشروعها. ولعل التحدي الأكبر ليس في بناء السلطة، بل في بناء الإنسان القادر على تحويل السلطة إلى أداة للعمران لا إلى غاية في ذاتها”.

وقال في خطبة الجمعة: “لم تعد أزمة العالم العربي والإسلامي تُختزل في ضعف الإمكانات أو تعثر التنمية، بل في غياب الفكرة الجامعة التي تتجاوز الانتماءات الضيقة وتصنع هوية وطنية وحضارية مشتركة. فكل مشروع سياسي لا ينجح في إنتاج معنى جامع سيظل أسير الانقسامات، مهما امتلك من أدوات القوة أو شرعية المؤسسات”.

ولفت إلى أن “الأمم لا تصنع مستقبلها باستيراد الحلول الجاهزة، وإنما ببناء رؤية متكاملة تجعل الإنسان محور التنمية، والمجتمع شريكًا في القرار، والدّولة إطارًا جامعًا لخدمة المصلحة العامة وصناعة الحضارة”.

ورأى أن “بعض المؤشرات الإيجابية اليوم تبعث على الأمل بأن مرحلةً جديدة بدأت تلوح في الأفق، وأن إرادة طيّ صفحة الماضي باتت أكثر حضورًا. ويُعدّ الإفراج عن أحد معتقلي الرأي خطوةً مشجعة، ليس لأنها تُنهي الملف، بل لأنها تفتح باباً لمعالجات أوسع تقوم على العدالة والإنصاف والمصالحة”.

وأكد أن”العدالة الانتقالية ليست غايةً في ذاتها، وإنما جسرٌ للعبور نحو الاستقرار، وما تبقى من آثارها يحتاج إلى حكمةٍ وشجاعةٍ وتعاونٍ صادق بين جميع الأطراف، حتى تُطوى صفحات الألم دون أن تُنسى الحقوق، وتُبنى الثقة دون أن يُعاد إنتاج الانقسام. لقد اكتوى بنار هذه المرحلة أبناءُ هذه الأمة جميعاً، ولا سيما سوريا ولبنان، وحان الوقت أن يكون المستقبل مساحةً للشراكة لا امتدادًا لصراعات الماضي”.

وأشار إلى أن “غزة ما تزال تنزف تحت وطأة حربٍ لم تتوقف آثارها، فيما تجاوزت الخروقات والاعتداءات أربعة آلاف خرق، في مشهدٍ يكشف حجم الاستخفاف بالقانون الدولي والقرارات الأممية، في الوقت الذي يقف فيه المجتمع الدولي، والضمير الإنساني، إن استمرار هذا الصمت يضع المنظومة الدولية أمام اختبار أخلاقي وإنساني لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل”.

وأردف: “في ظل المؤشرات المتزايدة على احتمال عودة التصعيد العسكري، تبرز الحاجة إلى موقفٍ لبناني داخلي موحّد ومنسجم مع الموقفين العربي والإسلامي، يقوم على دعم كل الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة ومنع انزلاق المنطقة إلى دورة جديدة من العنف. فمصلحة شعوبنا اليوم تكمن في ترسيخ السيادة، وصون الاستقرار، وتوجيه الطاقات نحو التنمية والإعمار، بعيدًا عن منطق الحروب المفتوحة التي لم تخلّف إلا مزيدًا من الدمار والمعاناة”.

وقال: “الحياء في التصور الإسلامي ليس خجلًا يعوق الإنسان عن أداء دوره، ولا انطواءً يحرمه من التفاعل مع الحياة، وإنما هو رقيب داخلي يضبط السلوك، ويهذب المشاعر، ويغرس في الأسرة ثقافة الاحترام والستر والعفة، فتستقيم العلاقات وتترسخ المودة وتبقى الكرامة مصونة”.

وتابع: “إن الغيرة المعتدلة على المحارم من مكارم الأخلاق التي تحفظ الأسرة وتصون المجتمع، بينما تُعد الدياثة في الفقه الإسلامي ذماً لغياب هذه الغيرة والرضا بانتهاك الحرمات أو التساهل فيما يمس العرض والكرامة. ولا ينبغي أن تُفهم الغيرة على أنها تسلط أو سوء ظن، بل هي مسؤولية أخلاقية تقوم على الحكمة والرحمة، وتحفظ للأسرة خصوصيتها دون إفراط أو تفريط”.

وأضاف: “مع التحول الرقمي واتساع حضور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت خصوصية الأسرة أكثر عرضة للانتهاك، وليس كل ما يمكن تصويره أو نشره يليق أن يُعرض على الملأ، والوعي الرقمي اليوم أصبح جزءًا من التربية الأسرية الرشيدة التي توازن بين الانفتاح المشروع وصيانة الحرمات”.

وشدّد على أنّ “قوة الأسرة تقاس بما تحمله من منظومة قيمية تجعل الحياء خلقًا أصيلًا، والغيرة مسؤولية راشدة، والخصوصية أمانة، وعندما تستقر هذه المعاني في النفوس، تصبح الأسرة أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر، محافظةً على هويتها، ومنفتحةً على الحياة بوعي وثقة واتِّزان”.

وختم الرفاعي: “العطلة الصيفية فرصة لا تُعوَّض، فلا تتركوا أبناءكم وبناتكم أسرى الفراغ، بل وجِّهوهم إلى دورات القرآن الكريم؛ فهي محاضن للتربية قبل التّعليم، وبيئات آمنة تُغرس فيها القيم، وتُبنى فيها الشخصية، وتُصان فيها الأخلاق، وتُوثق فيها الصلة بكتاب الله”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى