الرفاعي: عاقبة الظلم إلى زوال وعاقبة الحق إلى نصر وتمكين
أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ بكر الرفاعي إلى أن “أهل البيت مثلوا في الوجدان الإسلامي عنواناً للنبل والعلم والتضحية، كما مثّل الصحابة الجيل المؤسس الذي حمل أعباء الدعوة وبناء الدولة، ولم يكن بين المقامين تناقض، بل تكامل في الأدوار والمسؤوليات”.
وقال في خطبة الجمعة: “كان الحسين بن علي رضي الله عنه موضع محبةٍ عظيمة في قلوب الصحابة، فهو سبط رسول الله ﷺ وريحانته، وقد قال فيه النبي ﷺ: «حسين مني وأنا من حسين». كما عبّر الصحابة عن هذه المحبة والتقدير، ومن ذلك قول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يحمل الحسين: «بأبي شبيهٌ بالنبي»، وكان أهل بيت النبي يحظون عندهم بمكانة خاصة؛ لذلك بقي الحسين رمزاً للمحبة والفضل والشرف في وجدان المسلمين جميعاً”.
ولفت إلى أن “محبة أهل البيت لا تستدعي الخصومة مع الصحابة، كما أن توقير الصحابة لا يقتضي الانتقاص من مكانة أهل البيت، بل إن الجامع بينهما هو الانتماء إلى المشروع الإسلامي الكبير الذي تجاوز الأشخاص إلى بناء الأمة”، وأضاف: “تأتي كربلاء بوصفها واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في الوعي السياسي الإسلامي، لا لأنها حادثة تخص جماعة دون أخرى، بل لأنها كشفت تعقيدات العلاقة بين السلطة والقيم، وبين الشرعية والقوة، وبين المبدأ وحسابات الواقع. وقد بقيت حية في الذاكرة لأنها طرحت أسئلة كبرى تتجاوز زمانها ومكانها، وما تزال المجتمعات تواجه صوراً مختلفة منها حتى اليوم”.
ورأى أن “من أهم الدروس التي تمنحها عاشوراء أن السياسة حين تنفصل عن الأخلاق تفقد جزءاً كبيراً من مشروعيتها، وأن استقرار الدول لا يقوم على موازين القوة وحدها، بل على قدرتها في تحقيق العدالة وصيانة الكرامة الإنسانية. كما أن الأحداث الكبرى في التاريخ لا ينبغي أن تُقرأ بمنطق الثأر المستمر، بل بمنطق التعلم واستخلاص العبر التي تمنع تكرار الأخطاء وتؤسس لمستقبل أفضل”. وأضاف: “تكشف التجربة الإسلامية المبكرة أن الخلاف السياسي أمر طبيعي في حياة الأمم، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول إلى انقسام هوياتي دائم يعيد إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل. فالأمم الحية هي التي تحسن إدارة اختلافاتها ضمن إطار جامع، وتحول تنوع اجتهاداتها إلى مصدر قوة، لا إلى مادة صراع تستنزف طاقاتها وتبدد فرص نهوضها”.
وأكد أن “الأمة اليوم أحوج إلى استلهام المعاني الجامعة لعاشوراء لا إلى استدعاء الانقسامات التي ارتبطت بها. وفي التذكير بأن بناء المستقبل لا يكون بالعيش في خصومات الماضي، بل بتحويل التجارب التاريخية بكل ما فيها من آلام وتضحيات إلى رصيد أخلاقي وسياسي يساعد على صناعة واقع أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات”. واعتبر أن “يوم عاشوراء من الأيام المباركة في التاريخ الإسلامي، ارتبط بنجاة موسى وقومه من فرعون، ولذلك صامه النبي ﷺ وأمر بصيامه، وقال: «أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله». فاجتمع في هذا اليوم معنى الشكر لله على نصره لعباده المؤمنين، ومعنى الاقتداء بالأنبياء في الثبات والصبر، ليبقى عاشوراء مناسبةً تربويةً تعزز الإيمان وتُذكّر بأن عاقبة الظلم إلى زوال وعاقبة الحق إلى نصر وتمكين”.
ورأى “إن السعي إلى بناء حزامٍ سياسي وأمني متماسك بين عددٍ من الدول العربية والإسلامية يُعدّ تطوراً إيجابياً في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة، إذ يوفّر إطاراً للتنسيق المشترك وحماية المصالح العليا للأمة في مواجهة التحديات المتصاعدة، وفي مقدمتها السياسات التوسعية والاعتداءات المتكررة التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها”.
ونوه “بالمواقف المتقدمة التي أطلقها الرئيس أحمد الشرع تجاه لبنان، التي تُشكّل مؤشراً إيجابياً على رغبة جادة في فتح صفحة جديدة من العلاقات القائمة على الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل. فالتأكيد على تغليب لغة التواصل ومعالجة الملفات العالقة بروح التعاون والمسؤولية يعكس إدراكاً متقدماً لحاجة البلدين إلى علاقات مستقرة ومتوازنة، تُبنى على المصالح المشتركة وحسن الجوار، وتُسهم في تعزيز الاستقرار والتنمية وبناء دول قوية ومزدهرة قادرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر أمناً لشعوبها”.
وختم: “إن أي اتفاق أمني جاد يضع حداً لدورات العنف والصراع في المنطقة يمثل فرصة تستحق الدعم والبناء عليها، لا سيما إذا كان مدخلاً إلى تفاهمات أوسع تعالج جذور الأزمات وتؤسس لمرحلة من الاستقرار السياسي والأمني. ويبقى الأمل معقوداً على أن تتطور هذه التفاهمات إلى رؤية شاملة تفضي إلى وقف الحروب والنزاعات وإيقاف الوحش الأزرق عند حده، ونقل شعوب المنطقة إلى بر الأمان، مع التمسك الكامل بالسيادة الوطنية والكرامة العربية والإسلامية، بما يضمن أن يكون السلام ثمرة قوةٍ وعدالةٍ وتوازن، لا نتيجة ضعفٍ أو تنازلٍ عن الحقوق والثوابت”.



