مقالات

لبنان بين إرادة الحياة وتعقيدات القرار: هل يلتقي المساران اللبناني والإسرائيلي؟

بقلم// العميد الركن المقاعد د. جوزف س. عبيد

تدور الحلقة اليوم حول سؤال إشكالي وحساس: هل يمكن أن تلتقي السلطة في لبنان مع السلطة في إسرائيل على طاولة واحدة؟ وإذا حصل هذا اللقاء، فهل يمكن أن يفضي إلى اتفاق سلام فعلي؟ أم أن الواقع الميداني والسياسي يجعل من هذا الاحتمال مجرد فرضية نظرية بعيدة عن التطبيق؟

في المبدأ، لا يمكن لأي اتفاق سلام أن يُكتب له النجاح ما لم يستند إلى سلطة فعلية على الأرض. وهنا تكمن الإشكالية اللبنانية الأساسية: الدولة، رغم شرعيتها، لا تملك السيطرة الكاملة على القرار السيادي، ولا تحتكر السلاح. في المقابل، يبرز نفوذ حزب الله كقوة عسكرية وسياسية وازنة، لها حساباتها الإقليمية المرتبطة بتوازنات أوسع من الداخل اللبناني.

من هذا المنطلق، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: في حال فُرض مسار تفاوضي، من يفاوض فعليًا؟ هل هي الدولة اللبنانية بمؤسساتها الرسمية؟ أم أن أي اتفاق يحتاج، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى موافقة حزب الله أو قبوله الضمني على الأقل؟

في المقابل، لا يمكن تجاهل صوت اللبنانيين. فالأكثرية الساحقة لا تريد الحرب، بعدما دفعت أثمانًا باهظة من الدم والدمار والانهيار الاقتصادي. لكن في الوقت نفسه، هذه الأكثرية لا تعبّر بالضرورة عن رغبة في تطبيع كامل مع إسرائيل، بل عن توق عميق للاستقرار، للعيش بكرامة، وللخروج من دوامة الحروب المتكررة التي تعود كل بضعة أشهر، حاملة معها الخراب ذاته والمآسي نفسها.

وهنا يظهر التناقض الصارخ: شعب يريد الحياة، وواقع سياسي-عسكري يفرض إيقاعًا مختلفًا. فبين من يرفع شعار “المقاومة” ومن يطالب بسيادة الدولة الكاملة، تضيع إمكانية الوصول إلى قرار موحد.

في المحصلة، أي حديث عن لقاء أو اتفاق يبقى مشروطًا بعاملين أساسيين:
أولًا، قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل أراضيها.
وثانيًا، موقف حزب الله، سواء عبر القبول المباشر أو من خلال تسوية تضمن مصالحه ضمن معادلة جديدة.
أما إذا فرض الميدان معادلات مغايرة، فإن طبيعة التفاوض نفسها ستتغير، وقد نشهد مفاوضات غير تقليدية، أو اتفاقات تُفرض بحكم الأمر الواقع لا عبر المسارات الدبلوماسية الكلاسيكية.

يبقى لبنان، إذًا، في مفترق طرق معقّد: إرادة شعب يئنّ تحت وطأة الحروب والدمار، وواقع سياسي-عسكري يُجبر الدولة على التعايش مع قوى لها نفوذها وقرارها الخاص. حتى لو اجتمعت السلطة اللبنانية مع نظيرتها الإسرائيلية، فإن نجاح أي اتفاق لن يُقاس بالكلمات على الورق، بل بمدى قدرة هذه السلطة على فرض إرادتها داخليًا، وبمدى تقاطعها مع التوازنات الإقليمية التي تحكم فعل القوى الميدانية. لبنان لا يعيش في فراغ؛ هو جزء من شبكة صراعات أكبر، وعليه، يبقى السؤال الحقيقي: هل هناك توافق داخلي وخارجي يسمح ليس فقط بالتفاوض، بل بخلق واقع قابل للحياة والاستقرار، حيث يعيش الناس بكرامة بدل أن يفرض عليهم الموت وتاخذهم الفوضى؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى