المرتضى للأب حبيقة نحن معك: لا للصدام أو الإنفعال او الإنعزال ونعم للإفصاح عن خطورة المشروع الاسرائيلي ولا لبنان بدون العيش معاً

قال الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى مخاطباً الأب البرفسور جورج حبيقة الرئيس الفخري لجامعة الكسليك بمناسبة اطلالة الأخير الاعلامية التي تناول فيها شؤوناً متصلةً بالصيغة اللبنانية والواقع السياسي الراهن.
وقال المرتضى:” أي مقاربة متكاملة لواقع لبنان ومستقبله لا تكتمل من دون الإفصاح عن عنصرٍ بالغ الحساسية، أشار إليه الأب حبيقة في قراءاتٍ سابقة، حين نبّه إلى خطورة المشروع الإسرائيلي الذي يستهدف صيغة لبنان التعدّدية في جوهرها، وقد استشهد حينها بمقولة شهيرة لميئير كاهانا، العقل السياسي الملهم لحكومة الكيان الإسرائيلي، تضمّنت ما حرفيته: “لا رسوخ لإسرائيل قبل القضاء على الصيغة اللبنانية”، أي قبل القضاء على لبنان بوصفه صيغةً تعدّديةً مستقرةً ومزدهرةً في محيطه. مناقضة لاسرائيل على كل مستوى ومسقطة لها أخلاقياً وأدواراً.”
واضاف المرتضى:”من الدستور إلى روح الطائف، تتكرّس حقيقة تأسيسية واضحة: هذا الكيان لم يُبنَ على الغلبة ولا على الإلغاء، بل على شراكةٍ بين مكوّناته جعلت من التعدّد شرطًا للوجود لا تفصيلًا فيه. وعندما يختلّ هذا التوازن، لا نكون أمام أزمة حكمٍ فقط، بل أمام اهتزازٍ في أصل فكرة لبنان نفسها.
ومن هنا، يصبح أي تفكيرٍ في مستقبل الدولة محكومًا بثابتٍ لا يمكن تجاوزه، اكّد عليه البروفيسور حبيقة: منع الانزلاق إلى الصدام الداخلي. فلبنان لا يُدار بمنطق تحويل الدولة إلى طرف، ولا الجيش إلى موقع مواجهةٍ مع المقاومة، لأن ذلك لا يهدّد الأمن فحسب، بل يضرب وظيفة الدولة نفسها كإطارٍ جامعٍ ومرجعيةٍ فوق الانقسام.”
وتابع: “في زمنٍ تتكاثر فيه محاولات تفكيك المعنى اللبناني، تأتي مقاربة الأب جورج حبيقة في «حوار مسؤول» مع الإعلامي الأستاذ رولان خاطر لتعيد تثبيت الفكرة الأساسية: لبنان ليس ترفًا سياسيًا، بل صيغة تعايشٍ دقيقة، إمّا أن تُصان بالوحدة أو تتفكّك بانهيارها.”
واضاف:”في هذا السياق، يبرز السؤال الجوهري: كيف نعيش معًا رغم كلّ هذا التباين؟ والجواب ليس أخلاقيًا مجردًا، بل هو شرط بقاء: فلبنان لا يُحكم إلاّ كشراكة، ولا يُصان إلاّ كتوازنٍ دقيقٍ بين مكوّناته.”
واعتبر:”ومن هنا تبرز الدولة التوافقية لا كخيارٍ سياسي قابلٍ للنقاش، بل كضرورةٍ وجودية تفرضها بنية المجتمع نفسه، بما يعنيه ذلك من إدارةٍ للاختلاف لا إلغائه، ومن حمايةٍ للتوازن لا كسره.”
كما اعتبر :” وفي هذا الإطار تحديدًا، تكتسب مقاربة الأب حبيقة قيمتها الأعمق، لأنها تنتمي إلى ذلك النمط من الطروحات المعمّقة، الوحدوية، غير الانفعالية، التي يحتاجها لبنان في لحظاته الدقيقة. فهي لا تنطلق من ردود الفعل بل من قراءة هادئة لبنية الكيان، ومن وعيٍ بأنّ التعدّد ليس عائقًا يجب تجاوزه، بل شرط وجودٍ يجب صونه. وهذه المقاربة الهادئة، الرصينة، هي وحدها القادرة على تحويل القلق اللبناني من مادة تفجيرٍ إلى فرصةٍ لإعادة بناء المعنى المشترك.”
وتابع:”هذا المعطى يضيف بعدًا مهمًا إلى أيّ نقاشٍ حول لبنان: فحماية التوازن الداخلي والمقدّرات اللبنانية ليست فقط مسألة إدارة خلافات داخلية، بل أيضًا وعيٌ بخطورة استهداف هذا التوازن أو استنزاف تلك المقدّرات، لأنّ تداعياتها لا تبقى محصورةً في الداخل، بل تفتح الباب لتجعل الكيان كلّه في مهبّ ريح ذلك المشروع.”
واردف:”ومن هنا تصبح المعادلة أكثر دقةً: كلّ خللٍ داخلي لا يبقى داخليًا تمامًا، وكل تفكّكٍ في البنية اللبنانية ينعكس على قدرة الكيان على الصمود أمام المشروع الإسرائيلي في المنطقة. لذلك فإنّ صون الوحدة الداخلية يرقى الى درجة صيرورته شرط حماية وجودية.”
واضاف:”في المقابل، تتبدّى ثلاثة مسارات تُهدّد جوهر لبنان ووجوده، وإن اختلفت عناوينها وشعاراتها:
مسارٌ انعزالي يستحضر أوهام تجربة “لبنان الصغير”، وكأنّ تقليص الكيان هو طريق الخلاص، فيما هو في الحقيقة تجرّدٌ من شرط استمرار الوجود ووصفةٌ كارثيةٌ لزوال الكيان -وأجرؤ على القول- ولزوال الوجود المسيحي في هذا الشرق.
ومسارٌ إلغائي أكثر حدّة، يتعامل في هذه الأيام مع مكوّن أساسي في البنية الوطنية، وهو المكوّن الشيعي، وكأنّه فائضٌ يمكن شطبه من المعادلة، وهذا في العمق ضربٌ لفكرة لبنان نفسها، لا مجرد اختلافٍ سياسي داخلها.
ومسارٌ ثالث أكثر التباسًا وخطورة، يتماهى مع العدوان الإسرائيلي ويرى فيه خشبة خلاص فيما هو في جوهره حبلٌ يُراد له أن يلتفّ على عنق الكيان ويقوّض صيغته التعدّدية من الداخل، عبر تفكيك توازنه بدل حمايته، مع استنزاف مقدّراته، وهذا المسار تحديدًا لا يستهدف فريقًا بعينه، بل يصيب الكيان كلّه في بنيته ووظيفته ومعناه ومصيره.”
وتابع:”في النهاية، تبقى الخلاصة واضحة وبسيطة في آن: لا لبنان خارج شراكته الداخلية، ولا استقرار له خارج توازنه، ولا نجاة له خارج الوعي لخطر المشروع الإسرائيلي ولكون تفكّكه، أيًا كان شكله، سوف يفضي به إلى الزوال.
هكذا تبدو الحاجة اليوم إلى أصواتٍ من نوع ما قدّمه الأب جورج حبيقة حاجةً إلى أكثر من رأيٍ أو موقف؛ إنها حاجة إلى عقلٍ هادئٍ يعيد ترتيب الفكرة اللبنانية نفسها فوق الضجيج، ويستعيد للبنان معناه بوصفه مساحة تعايش لا ساحة صراع، وكيانًا لا يُحفظ بالانفعال، بل بالوعي العميق لضرورة أن يبقى اللبنانيون معًا… حين يصبح البقاء نفسه على المحكّ.”
وختم المرتضى مخاطباً حبيقة:”ويا حضرة الأب البروفسور، يكفينا منك ايمانك بأنّ المسيحية إنفتاحٌ لا يستقيم معه تقوقّعٌ أو إنعزال، ويقينك أنّ لا بقاء للبنان الاّ بثباتنا على الشراكة ومبدأ العيش معاً.”



