اخبار لبنانبة

المفتي الرفاعي: استمرار ملف الموقوفين الاسلاميين دون معالجة عادلة ومنصفة يبقي أبواب الألم مفتوحة ويؤخر مسار الاستقرار الحقيقي

أوضح مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي في رسالة “منبر الجمعة” بأن “الحجّ ليس انتقالاً جغرافياً نحو مكانٍ مقدّس فحسب، بل هو انتقالٌ من ضيق الفرد إلى سعة الأمّة، ومن عزلة الذات إلى شعور الانتماء الكوني لجسدٍ واحد. ليظهر المعنى الأعلى للسياسة في الإسلام: بناء الإنسان الحرّ الذي يتساوى مع أخيه تحت سلطان العبودية لله وحده”.

وقال: “في الحجّ تتجلّى فلسفة الوحدة بوصفها فعلاً عملياً لا شعاراً نظرياً؛ فالأمّة التي قد تفرّقها المصالح والحدود والمذاهب، تعود لتدور حول مركزٍ واحد كما تدور الكواكب حول شمسها. والكعبة هنا ليست حجراً يُطاف حوله، بل رمزٌ لوحدة الوجهة والمعنى، وإعلان دائم أنّ الأمّة التي تعرف قبلتها لا يجوز أن تضيع في متاهات الصراع والانقسام”.

ولفت إلى أن “الإحرام هو أعمق من لباسٍ أبيض؛ إنّه ثورة صامتة على كل أشكال الهيمنة الطبقية والامتيازات الزائفة. ففي لحظة الإحرام تتعرّى السلطة من مظاهرها، ويقف الغني والفقير، الحاكم والمحكوم، في هيئة واحدة تذكّر الإنسان بحقيقته الأولى. وهنا يقدّم الحج تصوراً فلسفياً للعدالة السياسية، حيث لا تُقاس قيمة الإنسان بما يملك، بل بما يحمل في قلبه من تقوى وصدق وانتماء للحق”.

وأشار إلى أن “الحج يحمل معنى التحرّر من الطغيان بكل صوره، فالسعي بين الصفا والمروة يختزن ذاكرة الإنسان المكافح الباحث عن الحياة والكرامة، ورمي الجمرات ليس مجرد طقس رمزي، بل إعلان متجدد عن مقاومة الشرّ الداخلي والخارجي معاً. ولذلك ظل الحج عبر التاريخ مساحةً تستعيد فيها الأمة وعيها بذاتها، وتتذكر أن الرسالات الكبرى لا تُبنى على الخضوع للباطل، بل على مقاومة الخوف واسترداد الكرامة الإنسانية”.

وأضاف: “يبدو الحج وكأنه إعادة تشكيل سنوية للوعي الإسلامي؛ مدرسة كبرى تعلّم الإنسان كيف يجمع بين الروح والسياسة، بين العبادة والعمران، بين الإيمان ومسؤولية التاريخ. فالحاج لا يعود فقط مغفور الذنب، بل يعود حاملاً شعوراً جديداً بأنّه جزء من أمةٍ أكبر من حدوده الضيقة، وأنّ الدين الذي جمع ملايين القلوب حول بيتٍ واحد قادر أيضاً على أن يصنع حضارةً واحدة، إذا تحوّل الإيمان من طقسٍ عابر إلى مشروع وعيٍ ونهضة”.

واعتبر أن “ما يمارسه الاحتلال الصهيوني من قتلٍ وتشريدٍ وتدميرٍ للبيوت ودور العبادة، ومحاولة اقتلاع الذاكرة من المكان، يكشف صراعاً يتجاوز حدود السياسة إلى معركة على الهوية والمعنى والتاريخ. ومن هنا يصبح اجتماع المسلمين في الحجّ تذكيراً سنوياً بأنّ الأمة التي تجتمع حول قبلةٍ واحدة لا يجوز أن تعتاد مشهد العدوان على مقدساتها وشعوبها، ولا أن تفقد إحساسها بالمسؤولية تجاه فلسطين ولبنان وكل أرضٍ يُنتهك فيها حق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة”.

وأردف: “من القضايا التي تستدعي وعياً أخلاقياً ووطنياً عميقاً قضية الموقوفين الإسلاميين وما خلّفته من جراحٍ ممتدة في النفوس والعائلات والمجتمع. فاستمرار هذا الملف دون معالجة عادلة ومنصفة يبقي أبواب الألم مفتوحة ويؤخر مسار الاستقرار الحقيقي القائم على الثقة والإنصاف. وإنّ طيّ هذه الصفحة عبر مقاربة تقوم على العدالة الانتقالية، والحوار، ومراعاة حقوق الإنسان، ليس مجرّد خيارٍ سياسي، بل هو واجب شرعي وإنساني ووطني، لأنّ الأوطان لا تُبنى بالثأر ولا بإدامة القطيعة، وإنما بإرساء العدالة التي تحفظ كرامة الناس وتعيد الاعتبار لروح الدولة الجامعة. فالمجتمعات التي تمتلك شجاعة المصالحة العادلة هي الأقدر على حماية وحدتها ومنع تكرار الجراح، وتحويل الألم إلى فرصةٍ لبناء مستقبل أكثر توازناً ورحمةً واستقراراً”.

وختم الرفاعي: “يوم عرفة ليس يوماً عابراً في الزمن، بل لحظةٌ تتكثّف فيها معاني الإنسانية والعودة إلى الله في أبهى صورها. ففي ذلك المشهد المهيب، حيث تقف الملايين على صعيدٍ واحد بقلوبٍ متجردة وأيدٍ مرفوعة، تتلاشى الفوارق بين البشر، ويشعر الإنسان بحقيقته الأولى بعيداً عن أوهام القوة والزينة والمكانة. يتميّز يوم عرفة بفضائل عظيمة للحاج وغير الحاج، فقد شُرع لغير الحاج صيامه لما فيه من الأجر الكبير وتكفير الذنوب، إذ يُعدّ من أعظم أيام العام روحانيةً ورحمةً وقرباً من الله، فيعيش الصائم فيه حالة صفاءٍ وإقبالٍ على الدعاء والذكر والتوبة. أمّا الحاج، فإنّ السنّة في حقّه أن يتفرغ للوقوف بعرفة والدعاء دون صيام، حتى يكون أقوى على العبادة والخشوع في ذلك الموقف العظيم. ثم تأتي الأضحية لتكمّل معاني هذه الأيام المباركة، فتجسّد روح الطاعة والبذل والاقتداء بخليل الله إبراهيم عليه السلام، ويتحوّل العيد بها إلى مناسبة إيمانية واجتماعية يلتقي فيها الشكر لله مع إدخال الفرح إلى قلوب الفقراء والمحتاجين”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى