مقالات

من بوش الأب إلى ترامب: شرق أوسط كبير يترنّح أمام إيران!

بقلم// د. عدنان منصور*

عام 1993 أصدر رئيس وزراء “إسرائيل” شيمون بيريز كتابه المعنون “الشرق الأوسط الجديد The New Middle East”، الذي رأى أنّ السلام مع الدول العربية يجب أن يؤدي إلى سوق إقليمية مشتركة تتضمّن تعاوناً اقتصادياً، ومشاريع بنيوية تتجاوز الحدود. كما رأى أنّ المصالح الاقتصادية ستجعل الحروب أقلّ احتمالاً، حيث ستكون “إسرائيل” مركزاً تكنولوجياً واقتصادياً، بما تملكه من تكنولوجيا وخبرة علمية، ورأس المال. في حين تمتلك الدول العربية الموارد الطبيعية، واليد العاملة، والأسواق، والطاقة، والموقع الجغرافي. من خلال دمج العناصر والمقوّمات، يرى بيريز قيام شرق أوسط جديد، مترابط اقتصادياً، تقوده التكنولوجيا والاستثمار الإسرائيلي، فيما الصراع العربي يجب أن يُستبدل بالتعاون الإقليمي.

في مفهوم بيريز، يستطيع الاقتصاد التغلب على الصراعات السياسية (!)، من خلال مشاريع إقليمية كبرى، كشبكات النقل، ومشاريع المياه، والتعاون في مجالات التجارة، والطاقة، والسياحة وغيرها. ما أراده بيريز فعلاً، هو دمج “إسرائيل” بشكل طبيعي في المنطقة، وتشكيل المنطقة اقتصادياً بما يخدم مصالح “إسرائيل” وتفوّقها، متجاهلاً كلياً القضية الفلسطينية وحقوق شعب ليتمّ في ما بعد وأدها.

طرح بيريز المريب لم يبعد المنطقة عن حروب العدو واحتلاله على مدى عقود، ولم يوقف عملية الاستيطان المتواصل، إنما يريد سلاماً إسرائيلياً اقتصادياً وتكاملاً إقليمياً يخدم مصالح “إسرائيل”، ويرسّخ وجودها في المنطقة.

عام 2004، أقرّت قمة مجموعة الثماني G8، أثناء اجتماعها، مبادرة عُرفت باسم “مبادرة الشرق الأوسط الكبير”، أو مبادرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأوسع Broader Middle East and North Africa Initiative. وكان وراء المبادرة، الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001.

أهداف المبادرة المعلنة تمحورت حول نشر الإصلاح السياسي، والديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط الكبير، من خلال دعم الحكم الرشيد، وتشجيع الانتخابات، وتوسيع المشاركة السياسية، وتعزيز دور البرلمان، ودعم منظمات المجتمع المدني، وحقوق الإنسان (!)، والقيام بالإصلاحات الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار. كما شدّدت المبادرة على الإصلاح التعليمي والاجتماعي وتعزيز دور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية وتوسيع حقوقها، كما شدّدت على مكافحة الإرهاب والتطرف، وإنشاء شراكة طويلة الأمد بين الغرب والمنطقة.

ما تريده المبادرة في العمق، إعادة تشكيل “الشرق الأوسط الكبير”، الممتدّ من المغرب إلى أفغانستان سياسياً، وفق رؤية أميركية، غايتها التحكم في شؤون المنطقة، والسيطرة عليها، سياسياً واقتصادياً وطاقوياً، وأمنياً وثقافياً، متجاهلة بالكامل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، الناجم عن إقامة دولة الاحتلال الإسرائيلية، غير عابئة بالمأساة الإنسانية التي لحقت بالشعب الفلسطيني وبحقه في إقامة دولته.

الولايات المتحدة، عرابة المبادرة، تعتبر الشرق الأوسط الكبير منطقة استراتيجية، وخزاناً للطاقة، ومركز تهديد للمصالح الغربية، وبؤرة للصراع والتطرف والاستبداد. لذا كان لتيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة تأثير كبير على المبادرة، والذي رأى أنّ على الولايات المتحدة استخدام القوة لتغيير الأنظمة المعادية لها، ونشر النموذج الديمقراطي الأميركي (!)، والحفاظ على تفوّق الولايات المتحدة عالمياً.

اعتبر تيار المحافظين الجدد أنّ بداية التغيير الديمقراطي في المنطقة تبدأ بإسقاط نظام صدام حسين في العراق، ليكون البداية في سلسلة سقوط الأنظمة في المنطقة. كان الاعتقاد أنّ الاندماج الاقتصادي سيقود إلى الانفتاح السياسي، إذ إنّ خلفية المبادرة ارتبطت بالطاقة، وبأمن “إسرائيل”، وبالممرات البحرية، ومضيق هرمز، وباب المندب، ومضيق تيران، وقناة السويس، ومنع وجود أنظمة إقليمية معادية لمصالح الولايات المتحدة ونفوذها.

مبادرة “الشرق الأوسط الكبير” ليست إلا غطاء لتدخل واشنطن العسكري، وإعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة مع تل أبيب، تختزل خصوصية مجتمعات “الشرق الأوسط الكبير”، وتعزز دور “إسرائيل”، وسيطرتها على المنطقة، ومصادرة قرارها السيادي المستقلّ.

من أجل تحقيق أهداف المبادرة، كان لا بدّ من العمل على الإطاحة بالأنظمة المعادية لسياسات أميركا، التي ترفض وجودها العسكري في المنطقة، وأيضاً مشروع “السلام” الوهم الذي يؤدي إلى إقامة علاقات سياسية بين “إسرائيل” والدول العربية، كمقدمة ضرورية لتحقيق الشرق الأوسط الكبير، عبر المشروع الإبراهيمي الذي بشّر به وتولاه دونالد ترامب.

لكن كيف يمكن تحقيق المشروع، وهناك دول مؤثرة ترفضه كلياً؟ لذا كان لا بدّ من العمل على الإطاحة بأنظمة وتغيير سياسات أنظمة أخرى، وضمّها رغماً عنها إلى المشروع الإبراهيمي، الذي هو نسخة أصلية عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، والذي التحقت به على عجل البحرين والإمارات، والمغرب والسودان، وهناك على الطريق من ينتظر للالتحاق به. لكن أن تبقى إيران بما تمثله من قوة إقليمية كبرى، عسكرياً، وجغرافياً، وجيوسياسياً، وبشرياً، واستراتيجياً، خارج المشروع، تعارضه وتتصدّى له، فهذا يستدعي من قبل صقور أميركا، وعلى رأسهم ترامب وحليفه نتنياهو العمل بأيّ شكل كان، على الإطاحة بالنظام الإيراني.

إذ إنّ تغيير النظام في إيران الذي هو العمود الفقري لمنطقة غربي آسيا، سيسرّع لا محالة بسقوط أحجار الدومينو في العالم العربي، ويعجّل في إقامة الشرق الأوسط الكبير الذي يروّج له في الوقت الحاضر ترامب ونتنياهو وحلفاؤهما في المنطقة، لذلك كانت الحرب على إيران، تحت ستار منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وفي الحقيقة، هناك ما هو أبعد من ملف إيران النووي، ألا وهو ملف الشرق الأوسط الكبير.

لم تنجح الحرب الأميركية الإسرائيلية عامي 2025 و2026 في تحقيق الهدف الحقيقي لثنائي الحرب ترامب ـ نتنياهو بإسقاط النظام الإيراني في حينه. لكن ترامب مصمّم على الذهاب بعيداً في الحرب، كي يسجل لنفسه نصراً زائفاً، حتى ولو تخلخل اقتصاد العالم، وجاعت شعوبه، وأفقرت دوله.

صقور الحرب ومغامروها في واشنطن وتل أبيب، يتحضّرون، ويراوغون، ويكذبون. ترامب يريد مفاوضات تعجيزية وفق شروطه، ليحمّل إيران في ما بعد مسؤولية فشل المفاوضات، ويبرّر لنفسه العودة ثالثة إلى حربه القذرة.

ترامب الذي غدر بالمفاوضات أول مرة في حزيران/ يونيو 2025، وثاني مرة في شباط/ فبراير 2026، جاهز في أيّ لحظة للغدر مرة ثالثة ورابعة، فاحذروه. إنّ مؤشر اندلاع حرب كبيرة يطرح نفسه بكلّ قوة، بعد فشل ترامب في انتزاع تنازلات نووية، وسيادية، واستراتيجية، وأمنية من إيران، وفشل العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي المشترك عامي 2025 و2026 في تحقيق أهدافه، جعلت ترامب يكثر من تصريحاته التي تحمل في طياتها توجهاً عسكرياً لمغامرة جديدة. لكن ترامب وإنْ صرف النظر عن الحرب، فإنّ نتنياهو سيذهب إليها ضدّ إيران بمفرده، ليضع ترامب أمام أمر واقع، لا يمكن له تجاهله دون مشاركته في الحرب.

حرب ترامب ونتنياهو ليست بسبب البرنامج النووي، وإنما بسبب وجود نظام إيراني قضّ مضاجع واشنطن وتل أبيب، آثر أن يقول لأيّ رئيس أميركي كان، ولترامب بالذات، الذي يريد أن يأخذ الشرق الأوسط فريسة، ليلتهمه بكلّ ما فيه.

ليس أمام إيران وشعبها من خيار سوى المواجهة والصمود، والتصميم على دحر أيّ عدوان عليها، لأنها تعرف جيداً أنّ الصراع مع قراصنة العصر، ومدمني الحروب، صراع وجودي، وسيادي، ومصيري، ولا يمكن التفريط بنفسها وبشعبها بأي حال من الأحوال، فكما واجهت العدوان الثنائي، ستواجه أيّ عدوان، ثلاثياً كان أو رباعياً أو خماسياً، إلى أن يسقط مشروع الشرق الأوسط الإبراهيمي الكبير نهائياً، ويُوأد في رمال شواطئها.

متى تصحو دول الشرق الأوسط “الكبير” من غفوتها، إنْ لم نقل من غيبوبتها، حتى تدرك ما يُحضّر لها، ونوع السمّ الذي تطبخه الولايات المتحدة و”إسرائيل” لأعدائهما، وحلفائهما، وعملائهما على السواء، من خلال مشروع الشرق الأوسط الإبراهيمي الكبير، والحرب المنتظرة على إيران؟

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى