مقالات

المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بين السيادة الوطنية ومقاومة التطبيع!

بقلم// محمد المشنوق 

في إطار الأزمات السياسية والاقتصادية المعقدة التي يعاني منها لبنان، تصاعد النقاش حول ضرورة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزف عون. يأتي هذا النقاش بينما يتمتع حزب الله، القوة العسكرية والسياسية الأكثر نفوذًا في لبنان، برؤية تتسم بالمقاومة والتصلب تجاه أي خطوات تطبيعية مع تل أبيب. وتُثير هذه الديناميكيات العديد من القضايا المحورية حول كيفية إدارة العلاقات مع إسرائيل، والتحديات المرتبطة بسيادة الدولة اللبنانية، والمواقف الأميركية التي تهدف إلى دفع عملية التفاوض إلى البيت الأبيض في الأسابيع المقبلة أو السقوط في غموض خطير وسيناريوهات متناقضة.
سياق هذا الحوار ينطلق من خلفية تاريخية مليئة بالصراعات المتواصلة. منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، باتت الدولة تعاني من ضغوطات خارجية متزايدة، حيث يظل الجيش الإسرائيلي، على مر الزمن، يشكل تهديدًا دائمًا على الحدود اللبنانية. في هذا السياق، أصبح دور حزب الله كقوة مقاومة موحدًا في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، مما أعطى الحزب شرعية في نظر بعض اللبنانيين. إلا أن هناك تساؤلات حادة حول ما تعنيه المقاومة اليوم، خاصة عندما تعلق الأمر في تطوير علاقات مع عدو تاريخي مثل إسرائيل في الوصول الى تحديد بلوكات المياه الاقليمية في الجنوب. ولا بد من الاشارة إلى أن أي مسار للتفاوض بين لبنان وإسرائيل بدأ سابقاً في ظل اختلال واضح في موازين القوى. وتدخل الولايات المتحدة في ادارة الاتصالات وتحديد صيغ التفاهم والكتب التي ارسلت الى الامم المتحدة. واذا كان الحزب موافقاً آنذاك على قواعد الاشتباك مع اسرائيل وراضياً بعدم مهاجمة حقل كاريش البحري بينما كانت اسرائيل تدك ضاحية بيروت فقد برز عجز الوفد اللبناني الرسمي بالأمس القريب في انتزاع أي التزام إسرائيلي بوقف إطلاق النار، مما زاد من تعقيد الأوضاع. وبينما تسعى الدولة اللبنانية لخلق متطلبات سيادية في مفاوضاتها، لا تزال المواجهات الميدانية قائمة واطلاق صواريخ الحزب مستمراً، مما جعل من الصعب إدارة حوار سياسي فعال بينما الأسلحة تتحدث وكأن هناك من ينفذ قرار استمرار حرب اسرائيل على المناطق اللبنانية مشرداّ مئات الألوف من المواطنين.
من المهم تسليط الضوء على موقف حزب الله من مسألة التفاوض؛ فالحزب يعبر بوضوح عن مقاومته لأي نوع من التطبيع مع إسرائيل. موقفه يرتكز على فكرة الدفاع عن السيادة اللبنانية وحماية حقوق الشعب الفلسطيني. يتبنى الحزب سياسة تقوم على دعم محور المقاومة ضد إسرائيل، متسلحًا بالنفس الطويل لتحقيق أهدافه الاستراتيجية بقيادة حرس الثورة الإيراني على شاطئ البحر المتوسط. ومع ذلك، يبرز مفهوم نزع سلاح حزب الله كأحد الجوانب الأساسية للنقاش السياسي في لبنان وسط تراشق اعلامي متفلت.
وسط هذا الواقع هناك من يدعو ومن بينهم قادة سياسيون ومجتمعيون، إلى ضرورة دمج الفصائل المسلحة لحزب الله تحت مظلة الجيش اللبناني، مما يعزز كونهم انصار الجيش وتأكيد قدرة الدولة على الانفراد بحمل السلاح ويُعزز السيادة. تعتبر هذه الخطوة مهمة ليس فقط لإدارة الأمن والإستقرار السياسي، بل أيضًا لاستعادة الصفة الوطنية للدولة اللبنانية في مواجهة التحديات. ولكن اصرار حزب الله على الاحتفاظ بترسانته العسكرية أدّى إلى تعقيد الأمور في حال تم الدخول في مفاوضات مع إسرائيل، والتي تحتاج إلى موقف موحد وقوي من قبل الدولة اللبنانية.
يؤكد حزب الله على أن أي مسار للتفاوض يجب أن يكون مدفوعًا بإرادة سياسية وطنية غير مرتبطة بالمصالح الأميركية أو غيرها من القوى الأجنبية. فالرؤية السياسية للحزب تعتبر أن أي تنازلات قد تؤثر سلبًا على كرامة لبنان، بينما يجب أن تتمتع الدولة بأداة فعالة لمواجهة التحديات من خلال تعزيز التحالفات وتقوية الجبهات العسكرية من خلال الخضوع لقرارات الحرس الثوري الإيراني.
تتزايد المواقف المتناقضة تجاه أي خطوة نحو التطبيع مع إسرائيل في صالح حل الدولتين. فالكثير من القوى السياسية في لبنان، ومن بينها حزب الله، يعتبرون الحوار المباشر خطوة نحو الاعتراف بإسرائيل بطريقة رسمية، وهذا يتعارض مع الشعارات الوطنية التي تدعو إلى محاربة الاحتلال. ولكن الاصرار على ابقاء التدهور العسكري في الجنوب يبقى الشاهد الوحيد على حقيقة التورط.
في هذه الاثناء تلعب الولايات المتحدة الأميركية دورًا كبيرًا في الضغط على المسارات السياسية للبلدان الشرق أوسطية. ففي الأسابيع الأخيرة، كان هناك توجه أميركي واضح نحو نقل مساعي التفاوض مباشرة إلى البيت الأبيض. وتوحي التحركات السياسية الأميركية الى أن واشنطن تنوي الاستفادة من الوضع القائم للضغط على لبنان لأخذ خطوات أكثر جرأة نحو الحوار مع إسرائيل.
هذا التدخل الأميركي، بينما يظهر كفرصة لتقديم المساعدة، فهناك من يُنظرون إليه بعين من الشك ويتحفظ هؤلاء عن دخول لبنان في دبلوماسية جديدة برعاية أميركية، خشية من فرض شروط قد تُعتبر غير مقبولة لدى الشعب اللبناني. وبناءً عليه، من الواضح أنه يجب الحذر من الممارسات الأميركية، إذ يمكن أن تجعل البلاد في موقف ضعيف إذا نُفذت بشروط غير مناسبة كما ظهر حتى الآن من تشكيك بقدرات الجيش اللبناني ورفض تدخل دولي في تحرير الجنوب.
هذه الوقائع والضغوطات تجعل السيادة اللبنانية إحدى القضايا الجوهرية التي تواجهها البلاد حاليًا. كدولة، فهو يعاني من توازنات القوى غير المستقرة التي تجعل تدابيرها السياسية ضعيفة. التوتر الأمني يتأزم، فبينما تسعى الدولة اللبنانية إلى إدارة الأمور الاقتصادية والدبلوماسية، تستمر إسرائيل في اتخاذ خطوات عسكرية قد تؤثر بشكل مباشر على استقلالية لبنان.
ومع زيادة الضغوطات الإسرائيلية، يصبح من الضروري أن تستعيد الدولة اللبنانية السيطرة على سياستها، بعيدًا عن التدخلات العسكرية أو السياسية. في هذه الظروف، يطرح لبنان إمكانية فتح قنوات المفاوضات ليس كخطوة دبلوماسية فحسب، بل كضرورة حيوية لاستعادة دور الدولة كطرف فاعل في التعامل مع النزاعات.ويجب أن يفكر قادة القوى السياسية في تقديم رؤية وطنية شاملة عن كيفية مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية كافة. من الضروري أن تُبنى هذه الرؤية على تعزيز الوحدة الوطنية، والعمل على تكوين إجماع سياسي حول خيارات المفاوضات.
لا يمكن التغاضي عن حقيقة أن المفاوضات يمكن أن تكون أداة فعالة لتحقيق السيادة واستعادة قوة الدولة. فان خيار الباب الدبلوماسي قد يوفر فرصًا لتقديم مطالب وطنية تقوم على مبادئ أساسية، مع الحفاظ على كرامة لبنان السياسية.
لذا من الأهمية الآن أن يتبنى لبنان استراتيجية متعددة الأبعاد تأخذ بعين الاعتبار متطلبات التفاوض، وأن يصيغ رؤية موحدة تنطلق من مصلحة الوطن. من دون هذه النقاط المشتركة، قد يظل لبنان عاجزاً عن فرض سيادته على نفسه، ويصبح ولاء الساسة للضغوطات الخارجية عاملاً يهدد مستقبل البلاد.
مع إدراك لبنان للمخاطر التي قد تنتج عن أي مسار تفاوضي مع إسرائيل، من المهم أن تكون هناك خطوات واضحة ومسؤولة تمهد الطريق للوصول إلى استقرار فعلي. يجب أن تكون الأولوية هي التأكيد على حق لبنان في السيادة، ومحاربة أي تسويات غير مناسبة قد تؤثر على الأجيال المقبلة.
يتعين على حزب الله، الذي يدعي انه الحامي للسيادة اللبنانية، أن يتحمل مسؤولية تقديم رؤى مخطط لطريق سياسي يقاوم الضغوط الخارجية واولها الخروج من سيطرة الحرس الثوري الايراني والقيام بتوحيد الجهود مع القوى السياسية الأخرى لبناء جبهة مقاومة تتجاوز مجرد القوة العسكرية. كما ينبغي تقديم برامج تنموية وسياسية تسهم في استعادة الثقة بين اللبنانيين وتضمن التماسك الاجتماعي ومعالجة مخاطر تفريغ الجنوب من سكانه واعادة إعماره.
إن تجارب الدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط قد تُعتبر شواهد على تأثير الضغوطات الخارجية على القرارات الوطنية. فالأحداث التاريخية القديمة تمنح لبنان رؤية واضحة حول كيفية التعامل مع التعقيدات الحديثة. يجب أن يتعلم لبنان الدروس من التجارب الفاشلة السابقة التي أدت إلى خسائر فادحة، ويجب أن يستعد لوضع استراتيجيات طويلة الأجل مبنية على الفهم العميق لطبيعة الصراع مع إسرائيل.
إن الجهود الرامية إلى تحقيق السلام يجب أن تتضمن دائمًا دورًا فعّالًا للمجتمع الدولي، سواء من خلال توفير الدعم المادي أو التكنولوجي، أو من خلال الضغط على الأطراف المختلفة لتحقيق حلول شاملة. لا بد من إنشاء منصة شاملة تضم جميع الأطراف المعنية، تسهم في تحقيق رؤية سلام تمتد نحو مجتمعات المنطقة.
في نهاية المطاف، تبقى المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في الأيام المقبلة موضوعًا معقدًا يتطلب مراعاة العديد من الأبعاد. إن مقاربة الحكومة اللبنانية للحوار المباشر مع إسرائيل يجب أن تُؤطر برؤية ترتكز على الحفاظ على السيادة الوطنية بالإضافة إلى ذلك، يتعين أن يكون هناك فهم عميق للدور الأميركي وتأثيره، ونوعية العروض التي قد تُقدَّم لضمان مصلحة لبنان. ويتطلب ذلك الوضع ضبط النفس والجهود المنسقة نحو تعزيز المشروع الوطني، غير أن هذه التحديات تمثل فرصة لإعادة تشكيل الهوية اللبنانية وتقوية وجودها على الساحة الدولية.
للخروج من التحديات الحالية، تحتاج البلاد إلى استراتيجية تعتمد على المسؤولية الوطنية والوعي بأهمية العمل الجماعي. إذا تم التعامل مع التفاوض كأداة للوصول إلى حلول وسطية تعزز من مكانة لبنان، فسيكون بمقدور البلاد أن تفرض نفسها كطرف فاعل في معالجة نزاعاتها، بدلاً من أن تُعتمد كأرض للصراعات والمعادلات العسكرية.
إن قدرة لبنان على تأمين مكانته كشريك فعال في المنطقة ستعتمد على الجرأة والشجاعة في التفاوض، وعلى إرادة القيادة الوطنية في التصدي للتحديات الكبرى. إن الخيارات صعبة، لكن من الممكن أن تُنير الطريق نحو السلام والاستقرار لشعب أراد السلام والأمان. المطلوب اليوم وقف التراشق الاعلامي الدنيء وتراجع كل القوى اللبنانية الى حيث تنفع الذكرى في نهاية الطريق في شهر أيّار الحالي.

محمد المشنوق
وزير سابق

عن صحيفة “اللواء”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى