اخبار لبنانبة

امين فتوى طرابلس: النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء والقادة الراشدون فاوضوا أعداءهم

استحضر أمينُ فتوى طرابلس وشيخُ قرّائها، الشيخ بلال بارودي، في خطبة الجمعة من مسجد السلام، وتحت عنوان: “من يأتيني بخبر القوم”، غزوةَ الأحزاب في أيام الرسالة النبوية، وقال: إن الأحزاب لم يتوقفوا عن محاولاتهم النيل من الإسلام وأهله على مرّ العصور والأزمان، يمكرون ويدبّرون ويحيطون.

وقال: إنه علينا ألّا نُضيّع بوصلتنا، ولا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا الفهمُ الحقيقي، وهو أن الغرب يملك اليوم الهيمنة على العالم، وقد وظّف لذلك وكلاء يعملون على تطبيق هذه الخطة. فإيران فُوِّضت، فعاثت في بلادنا العربية فسادًا؛ قتلت وهجّرت ودمّرت وأفسدت، وقد انتهى دورها، والآن يُراد تشكيل المنطقة من جديد، ويُفتَّش عن وكلاء آخرين ولكن بصيغة مختلفة. وهنا ينبغي أن يكون الوعيُ والفهم، وأن تتحقق الكياسةُ والفطانةُ والذكاء.

وأضاف: هنا ينبغي ألّا تُوظِّف نفسك لأعدائك، وألّا تغترّ بادعاءات الكذبة والمنافقين، فأنت اليوم المستهدف، وهذه أرضك وهذه أمتك. وهناك قواعد أساسية؛ فالتطبيع مطروح، وفي وضعنا اليوم يُوصَف من يؤيد السياسة بالصهيوني، من غير أن يُقرأ ما الذي يريده من كلامه. ولكن لا بدّ من البيان، فهناك مصطلحات ينبغي لنا أن نفكّ رموزها، كالتطبيع مثلًا: فما هو التطبيع؟ وما هي المفاوضات؟ وما هي اتفاقية وقف إطلاق النار؟ وما هي المهادنات؟ وما هو السِّلم والسلام؟

هذه مصطلحات ينبغي أن نفهمها، ولا ينبغي أن يُقال إن كل من يؤيد وقف إطلاق النار مع اليهود يُسلِّم بأنهم ليسوا أعداء. فعندما تفاوض، لا تفاوض أخاك أو جارك، إنما تفاوض عدوك، وقد فاوض النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعده الخلفاء والقادة الراشدون، أعداءهم.

ثم هل نهادن؟ نعم، نهادن إن رأينا في ذلك مصلحة. وهل نفاوض؟ نعم، نفاوض. ولكن على ماذا نفاوض؟ هل نفاوض على الثوابت؟ أبدًا، لا مفاوضات في الثوابت، وإنما ينبغي أن تكون المفاوضات أولًا على وقف الاعتداء، وعلى فتح المجال لنلمّ شملنا ونجمع صفّنا. فنحن في لبنان قد فكّكتنا دعايات المقاومة، ودمّرت وحدتنا لغةُ التخوين والاتهام بالعمالة. ونسمع مثلًا: إذا تكلّم رئيس الحكومة وُصِف بالصهيونية، وإذا أطلق رئيس الجمهورية مبادرة نُعِت بالعمالة، وإذا فعل غيرهما مثل ذلك وُصفوا بالطهر والشرف.

أفلا نحتاج هنا إلى تفكيك هذه الألغاز؟

فإيران قد جلست وفاوضت من قتل وليَّ فقيهها، مرشدَ ثورتها، وأعطتهم الكثير، وما قبلوا.

اليوم ينبغي أن نُقيّم قدراتنا وقوتنا واستطاعتنا، وما الذي يمكن أن نفعله، وأن نبدأ بدفع عدوان الأعداء عنا. والأولى الآن الاهتمام بمن يعتدي علينا، فمن يعتدي على بلادنا ومدننا ومساجدنا وقرانا هم اليهود، فماذا ينبغي أن نفعل معهم؟

ينبغي، إن جلسنا معهم، أن نفاوضهم على وقف الاعتداء، وأن تحدد الدولة من يفاوض؛ فالمرجعية هي التي تحدد، وليس الناس. وهي التي تختار الأذكى والأخبر، فليس على كل الناس أن يفاوضوا.

والمهم أن نعرف: على ماذا نفاوض؟ هل نفاوض على أن نصل بعد حين إلى سلام دائم مع اليهود؟ فهذا تطبيع، والتطبيع مع اليهود خيانة، والتطبيع مع إيران عمالة؛ فهذا عمالة وذاك خيانة.

هنا ينبغي أن نحدد مصلحة البلد: فأين تكمن مصلحة لبنان؟ وهل مصلحة لبنان أن يبدأ الجيش بتجييش الناس والهجوم على فلسطين المحتلة وتحريرها؟ هل يستطيع الجيش ذلك؟ قطعًا لا يستطيع.

إذًا، ما الذي يفعله؟ يردّ عدوان الأعداء عنك، وكيف ذلك؟ بالسياسة، وبالضغط، وبالدبلوماسية، وبالتكاتف، وبجمع الجهود والطاقات. هذا هو الذي ينبغي أن يُفعل.

أما توزيع الصفات والنعوت: هذا خائن، وهذا صهيوني، وهذا عميل، وهذا تاجر، فإن ذلك لا يصلح.

لذلك، عندما نفهم أن التطبيع خطر، أي خيانة، وأن السلام في هذه المرحلة استسلام، فإننا نسأل: من قال إن المفاوضات استسلام؟ ومن قال إن وقف إطلاق النار استسلام؟ ومن قال إن الهدنة استسلام؟ ثم بعد ذلك: من يحدد وقف إطلاق النار؟ ومن يوقّع الاتفاقية؟ إنها المراجع المختصة.

أما الذين يعرّضون مدننا ومساجدنا وقرانا للخطر بمغامرات غير محسوبة، فينبغي أن تعود الدولة إلى رعاية شؤونها، وأن نحذر كل الحذر من التلاعب بالوثيقة التي جمعت اللبنانيين وأوقفت الحرب الأهلية. فلا نتلاعب بها، لا لأنها دستور ولا لأنها منزلة، بل لأن الناس توافقوا عليها.

ونحن الآن في مرحلة ضعف، فإن مُسّت هذه الوثيقة، أخذ غيرنا أكثر مما يستحق، وفُرِّط بحقوقنا.

وقد وُجدت وثيقة الطائف لتعيد الحقوق إلى السنّة، إذ لم يكن لهم حقوق من قبل. أما اليوم، ومع وجود السلاح بيد غيرنا، وارتباطات دولية لغيرنا، ونحن كالأيتام على موائد اللئام، فإنه سيُؤخذ من حقوقنا الكثير، بحجة الحفاظ على الطائف أو على السلم الأهلي.

فاحذروا هذا، واحذروا أن تُؤخذ حقوقكم بالخدعة والغيلة.

فالثوابت ثوابت، ونحن نعيد ونكرر: لا نؤيد السلام الذي يؤدي إلى الاستسلام مع اليهود؛ فاليهود أعداء تاريخيون، وعداوتهم في فلسطين ولبنان والجولان والأردن ومصر ظاهرة. ولكن احذروا العداء الداخلي، والذين يريدون أن يأخذوا منكم باسم أنهم يردعون العدوان، ويأخذون منكم باسم الطغيان.

هذا ما ينبغي أن نحذر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى